سعدون مطلق السوارج
هناك أيام لا تنتهي بانتهاء ساعاتها؛ لأن الزمن لا يستطيع أن يطويها، فتتحول من حدث إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى درس، ومن درس إلى جزء من شخصية الدولة. الثاني من أغسطس 1990 واحد من تلك الأيام في تاريخ الكويت؛ يوم حاول فيه الغزو العراقي أن يسقط دولة مستقلة بالقوة، وأن يجعل احتلال الأرض مقدمة لإلغاء السيادة والشرعية والهوية.
بعد ستة وثلاثين عامًا، تبدو الحقيقة أكثر وضوحًا: احتُلّت الأرض، لكن الكويت لم تسقط. تعطلت مؤسسات في الداخل، لكن الدولة لم تفقد شرعيتها. حوصر الوطن عسكريًا، لكنه لم يُحاصر سياسيًا. تعرض الشعب لأقسى صور العدوان، لكنه لم يمنح المحتل ما كان يبحث عنه: القبول.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية
لم تكن الكويت في تلك اللحظة مساحة جغرافية يمكن الاستيلاء عليها بالدبابات، بل دولة لها قيادة شرعية، وشعب متماسك، ومؤسسات، وعلاقات عربية وخليجية ودولية، وذاكرة وطنية لم تسمح للاحتلال بأن يتحول إلى حقيقة دائمة.
لقد دان مجلس الأمن الغزو في قراره 660 الصادر في الثاني من أغسطس، وطالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط، ثم جاء القرار 662 ليؤكد أن ضم الكويت لا شرعية قانونية له، وصولًا إلى القرار 678 الذي أتاح للدول المتعاونة مع حكومة الكويت استخدام جميع الوسائل اللازمة لتنفيذ القرارات ذات الصلة واستعادة السلام والأمن في المنطقة.
في الداخل كان الشعب الكويتي يكتب فصلًا آخر من القصة. لم يكن الكويتيون مجرد ضحايا ينتظرون انتهاء الاحتلال، بل كانوا مجتمعًا قاوم محاولة اقتلاع الوطن من الوجدان. ظهرت المقاومة بأشكال متعددة؛ من المواجهة إلى نقل المعلومات، ومن مساعدة الأسر إلى حماية الوثائق، ومن رفض التعاون مع المحتل إلى الحفاظ على الهوية الوطنية في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي قلب هذه المقاومة بقي الشهداء؛ أولئك الذين لم يدافعوا عن حدود على الخريطة فحسب، بل دافعوا عن حق وطنهم في أن يبقى وطنًا. ولهذا فإن تخليدهم ليس استدعاءً للحزن، بل تثبيتٌ لمعنى السيادة في الوعي الوطني. فالدولة التي تعرف أسماء شهدائها، وتحفظ سيرهم، وتورث أبناءها قصصهم، إنما تحمي جزءًا من هويتها.
أما القيادة الكويتية، فقد واجهت اختبارًا من النوع الذي لا تقاس نتائجه باللحظة. ففي زمن الاحتلال كان أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنقطع صلة الأرض بالدولة، وأن يتحول الأمر الواقع العسكري إلى واقع سياسي. ولذلك كان الحفاظ على الشرعية، وحضور الدولة في المحافل الدولية، واستمرار العمل الدبلوماسي، جزءًا أساسيًا من معركة التحرير.
فالدولة ليست مباني الوزارات وحدها، ولا حدودًا يمكن اجتيازها بالقوة؛ الدولة شرعية وسيادة ومؤسسات وشعب وعلاقات واعتراف دولي. وحين حاول الغزو أن يهدم هذه المعادلة، حافظت الكويت على عناصرها الأساسية حتى عادت إلى أرضها.
وهنا تظهر قيمة السياسة الخارجية الكويتية، فالعلاقات الدولية لا تُبنى في ساعة الخطر؛ إنها تُبنى في سنوات الهدوء، ثم تظهر قيمتها عندما تهب العواصف. والكويت التي عرفت طريقها في الدبلوماسية المتوازنة، وبناء الجسور، واحترام سيادة الدول، وجدت في لحظة المحنة رصيدًا سياسيًا يقف إلى جانب قضيتها.
لكن بين كل صفحات الوفاء التي أحاطت بالكويت، تبقى المملكة العربية السعودية صفحة لا يمكن أن تُكتب بحروف عابرة. فالسعودية لم تنظر إلى الغزو بوصفه أزمة تقع في دولة مجاورة فحسب، بل بوصفه عدوانًا يمس أمن الخليج واستقراره، ويهدد مبدأ سيادة الدول. وكان موقف المملكة في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، من العلامات الراسخة في الذاكرة الكويتية؛ فقد احتضنت المملكة الشعب الكويتي والشرعية الكويتية، وسخّرت إمكاناتها وجهودها في سبيل تحرير الكويت. وقد وثقت المصادر السعودية الرسمية أن الموقف السعودي خلال الغزو كان تعبيرًا عن عمق الروابط والمصير المشترك بين البلدين، وأن التضامن السعودي الكويتي والخليجي كان أحد أبرز صور التلاحم حتى التحرير. وفي هذه الصفحة تحديدًا، يصبح الجوار أكثر من جغرافيا. الجوار موقف. والأخوة موقف. والمصير المشترك لا يُختبر في البيانات، بل في الساعات التي يصبح فيها الوقوف إلى جانب الشقيق مسؤولية تاريخية.
ولهذا فإن الوفاء الكويتي للمملكة العربية السعودية ليس مجاملة سياسية ولا عبارة بروتوكولية؛ إنه جزء من أمانة الذاكرة تجاه موقف ثبت في أصعب امتحان. وما جمع الكويت والسعودية قبل الغزو تعزز بعده، لأن المحن الكبرى تكشف عمق العلاقات أكثر مما تصنعها.
وقد أدركت القيادة السعودية منذ اللحظة الأولى أن قضية الكويت ليست شأنًا بعيدًا عن أمن المملكة. وفي قراءة تاريخية سعودية رسمية لدور الملك فهد، وُصف الغزو بأنه تحدٍّ مصيري يمس أمن المملكة والخليج، كما وثقت المصادر السعودية دور المملكة الدبلوماسي والعسكري والشعبي في دعم الكويت حتى التحرير.
ومن هنا يمكن فهم الحضور السعودي في هذه الذكرى على أنه حضور تاريخي ومستقبلي في آن واحد: تاريخيًا لأن المملكة وقفت مع الكويت حتى عادت، ومستقبليًا لأن أمن البلدين اليوم ليس ملفًا منفصلًا، بل جزء من أمن خليجي واحد ومصير مترابط.
فالكويت حين تتحدث عن تحريرها لا تتحدث عن نفسها وحدها؛ إنها تتحدث أيضًا عن معنى الخليج عندما تتحول الأخوة إلى موقف، وعندما يصبح أمن دولة شقيقة جزءًا من أمن المنظومة كلها.
لم يكن مجلس التعاون الخليجي في تلك المحنة مجرد إطار سياسي. كان الاختبار الحقيقي لفكرة الأمن الجماعي الخليجي. فقد أظهرت الأزمة أن أمن الكويت لا يمكن فصله عن أمن جيرانها، وأن سيادة أي دولة خليجية ليست قضية محلية إذا تعرضت للتهديد بالقوة. وقد وصف الأمين العام لمجلس التعاون آنذاك الموقف الخليجي من الغزو بأنه كان حاسمًا وحازمًا، باعتبار الاحتلال انتهاكًا لسيادة دولة عضو وتهديدًا للوحدة الخليجية وأمن المنطقة.
كما وقفت دول الخليج إلى جانب الكويت، ووقفت دول عربية وإسلامية وصديقة مع حقها، واصطف المجتمع الدولي حول مبدأ رفض العدوان. وهذه المواقف لم تأتِ من فراغ؛ فقد كانت الكويت قد بنت عبر عقود رصيدًا من العلاقات والحضور الدبلوماسي، ثم جاء الاختبار ليكشف قيمة ذلك الرصيد.
وهذا درس كويتي عميق: الدبلوماسية الهادئة ليست ضعفًا، وبناء الجسور ليس ترفًا، وحسن الجوار ليس شعارًا. قد تبدو هذه الأدوات بعيدة عن صخب القوة، لكنها في ساعة الخطر يمكن أن تتحول إلى أحد أهم عناصر حماية الدولة.
ثم جاء التحرير في السادس والعشرين من فبراير 1991 عاد العلم. وعادت المؤسسات، وعادت الكويت إلى أهلها، لكن الكويت لم تتوقف عند استعادة الأرض؛ فقد بدأت معركة أخرى: معركة إعادة بناء الحياة، وحماية الذاكرة، وإعادة تشغيل الاقتصاد، وإطفاء آبار النفط التي أشعلها الاحتلال، وإعادة تأهيل المنشآت، واستعادة ما أمكن من الكتب والوثائق والمقتنيات، وتسجيل شهادات من عاشوا المرحلة.
وهنا تظهر قوة الدولة مرة أخرى. فالمعتدي يستطيع أن يهدم مبنى، لكن الدولة تستطيع أن تعيد بناءه، ويستطيع أن يشعل بئرًا، لكن الإرادة الوطنية تستطيع أن تطفئ النار وتعيد تشغيل المورد، ويستطيع أن يسرق وثيقة، لكن المؤسسة تستطيع أن تجمع الشهادات وتعيد بناء الأرشيف، ويستطيع أن يحاول فرض رواية، لكن الباحث والمؤسسة والإعلام يستطيعون أن يتركوا للوثيقة أن تقول الحقيقة.
لقد تحولت الذاكرة الكويتية، مع مرور السنوات، من ذاكرة جرح إلى مشروع وطني لحفظ التجربة. وأصبحت مؤسسات الدولة جزءًا من هذا المشروع: مراكز بحث وتوثيق، ومكتبات، ومؤسسات ثقافية، ووسائل إعلام، وأرشيفات، وشهادات، وكتب ودراسات.
ومركز البحوث والدراسات الكويتية نموذج واضح لهذا التحول؛ فقد أُنشئ عام 1992، وكان من أهدافه جمع الوثائق والدراسات المتعلقة بالعدوان العراقي على الكويت وتوثيقها وتحليلها ونشرها، وقد وثق المركز عبر السنوات مئات الآلاف من الوثائق العراقية المتعلقة بالاحتلال، وأصدر دراسات عن المقاومة الكويتية وتدمير آبار النفط وغيرها من ملفات العدوان.
هذه النقلة مهمة جدًا لأن الذاكرة التي لا تُوثق قد تصبح حكاية، أما الذاكرة التي تُوثق فتتحول إلى تاريخ. والتاريخ الذي يُحفظ لا يجعل الأجيال أسيرة للماضي، بل يمنحها قدرة أكبر على فهم الحاضر وحماية المستقبل.
ومن هنا يأتي دور الإعلام الكويتي والثقافة الكويتية. فالإعلام الذي حافظ على الصوت الوطني في زمن الاحتلال، عاد بعد التحرير ليحفظ الشهادة والصورة والوثيقة. والثقافة التي تعرف قيمة الكتاب والمسرح والمعرض والندوة، تستطيع أن تجعل الجيل الذي لم يعش الغزو قريبًا من معناه دون أن يعيش ألمه.
إن وظيفة الذاكرة ليست أن تجعل أبناء الكويت يعيشون خوف الأمس من جديد، وإنما أن تجعلهم يدركون قيمة الأمن والسيادة والاستقرار اليوم.
أما النفط، فقد قدم واحدًا من أكثر المشاهد دلالة على الفرق بين الدمار والنهوض، كانت الآبار المشتعلة صورة قاسية لما تركه الاحتلال، لكنها أصبحت بعد الإطفاء وإعادة التأهيل شهادة على قدرة الكويت على تحويل الخراب إلى بداية جديدة، وقد وثق مركز البحوث والدراسات الكويتية جانبًا من هذه التجربة عبر وثائق تناولت تدمير آبار النفط والأضرار البيئية والاقتصادية والجهود الكويتية في المحافظة على الثروة النفطية.
وهنا لا يصبح النفط مجرد اقتصاد، بل يصبح شاهدًا على إرادة الدولة، ومن النار التي أراد المعتدي أن يتركها وراءه، خرجت الكويت أكثر إصرارًا على إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها وحياتها.
وبعد ستة وثلاثين عامًا، لم تعد الذكرى سؤالًا عن الماضي وحده، إنها سؤال عن معنى الكويت اليوم.
ماذا بقي من الغزو؟ بقيت الكويت. بقيت قيادتها. بقي شعبها. بقيت مؤسساتها. بقي شهداؤها في الذاكرة. بقيت مقاومتها في التاريخ. بقيت علاقاتها مع أشقائها وأصدقائها. وبقي الوفاء السعودي صفحة مضيئة في سجلها. وبقيت الدبلوماسية الكويتية شاهدًا على أن الرصيد السياسي يُبنى قبل الأزمات، لا أثناءها.
ولهذا فإن الذكرى السادسة والثلاثين لا ينبغي أن تكون مناسبة لاستعادة الألم فقط، بل مناسبة لإعادة اكتشاف قوة الوطن. فقوة الكويت ليست في أنها لم تُختبر؛ بل في أنها اختُبرت ولم تنكسر. وليست في أنها لم تفقد شيئًا؛ بل في أنها فقدت كثيرًا ثم استعادت، وبنت، ووثقت، وحفظت. وليست في أن تاريخها خالٍ من الجراح؛ بل في أنها لم تسمح للجراح أن تتحول إلى هزيمة دائمة.
وفي هذا المعنى، فإن التحرير لم يكن خاتمة القصة، بل كان بداية مرحلة أثبتت فيها الكويت أن الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن أرضها، وإنما أيضًا بقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها، وحماية ذاكرتها، وتعزيز علاقاتها، وتحويل التجربة إلى وعي.
وهنا تحديدًا يلتقي الكويتي والسعودي في معنى واحد. الكويت تعرف من وقف معها عندما كانت تحتاج إلى الأشقاء. والسعودية تعرف أن الكويت ليست مجرد جار، بل شقيق في منظومة خليجية واحدة. والشعبان يعرفان أن الحدود لا تستطيع أن تفصل ما صنعه التاريخ من قرب، وأن الأمن والاستقرار والمصير المشترك ليست عبارات للاستهلاك، بل حقيقة صنعتها المواقف.
فالعلاقة الكويتية - السعودية لم تبدأ في 1990، لكنها في 1990 كشفت معدنها. وما قبل الغزو من تاريخ الجوار والتعاون، وما بعده من تنسيق وتكامل، يثبت أن المحنة لم تكن صفحة عابرة، بل محطة أعادت تعريف معنى الأخوة السياسية والشعبية. وقد أكدت المصادر السعودية الرسمية أن موقف الملك فهد خلال الغزو أصبح من أوضح وأقوى ما يربط البلدين ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، وأن ذكرى التحرير عزيزة على السعوديين كما هي عزيزة على الكويتيين.
ولهذا، حين نستعيد الغزو اليوم، لا نستعيده لنفتح جرحًا، بل لنغلق باب النسيان. نستذكر الشهداء وفاءً. ونستذكر المقاومة اعتزازًا. ونستذكر القيادة تقديرًا. ونستذكر المؤسسات إنصافًا. ونستذكر المملكة العربية السعودية عرفانًا. ونستذكر الأشقاء والأصدقاء وفاءً.
ونستذكر التحرير فخرًا. ثم نمضي إلى المستقبل بثقة دولة عرفت معنى أن تفقد الأرض مؤقتًا، لكنها لم تفقد نفسها لحظة واحدة.
لقد أراد الغزو أن يجعل الكويت مجرد أرض محتلة. فأثبت التاريخ أنها دولة لا تُختزل في الأرض. وأراد أن يكسر شعبها. فأثبت الشعب أن الوطن يسكن في الوجدان قبل أن يسكن في المكان. وأراد أن يعزلها عن محيطها. فأثبتت علاقاتها أن الأخوة الحقيقية تظهر عندما يصبح الوقوف واجبًا. وأراد أن يطمس ذاكرتها. فحولت الكويت ذاكرتها إلى وثيقة، والوثيقة إلى معرفة، والمعرفة إلى حصانة للأجيال. وأراد أن يجعل يوم الثاني من أغسطس يومًا للهزيمة. فجاء السادس والعشرون من فبراير ليعيد الأرض، ثم جاءت السنوات التالية لتثبت أن الانتصار لا يكتمل باستعادة التراب وحده، بل باستعادة الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية الذاكرة، وصيانة السيادة.
وهنا تكون الكويت قد صنعت جوابها التاريخي بنفسها:
سقط الاحتلال، ولم تسقط الكويت.
احتُلّت الأرض، ولم تُحتل الهوية، تعطلت مؤسسات، ولم تتعطل الدولة. أُحرقت آبار، ولم تحترق إرادة النهوض. سُرقت كتب ووثائق، ولم تُسرق الذاكرة. وغاب الصوت من أرض الوطن زمنًا، لكنه لم يغب من وجدان الوطن. ثم عاد العلم إلى سمائه، وعادت الدولة إلى أرضها، وعادت الحياة إلى مؤسساتها، وبقيت الكويت تكتب تاريخها بيدها.
أما السعودية، التي كانت يوم الأزمة شقيقًا حاضرًا لا جارًا متفرجًا، فبقي موقفها في الذاكرة الكويتية شاهدًا على أن بعض العلاقات لا تُقاس بعدد الاتفاقيات ولا بطول البيانات، وإنما بعدد المرات التي يقف فيها الشقيق إلى جوار شقيقه عندما يضيق عليه الطريق.
وهذا هو المعنى الأعمق بعد ستة وثلاثين عامًا: أن قوة الكويت لم تكن في السلاح وحده، ولا في الجغرافيا وحدها، ولا في النفط وحده؛ كانت في قيادة حافظت على الشرعية، وشعب حافظ على الوطن، ومؤسسات حفظت الدولة، ودبلوماسية حفظت مكانتها، وأشقاء حفظوا عهد الأخوة، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، التي أثبتت أن أمن الكويت من أمن الخليج، وأن المصير المشترك لا يُكتب بالحبر، بل تكتبه المواقف.
ولذلك، إذا كان الغزو قد دخل الكويت في الثاني من أغسطس بالقوة، فإن الكويت خرجت منه بالتاريخ. دخلت الدبابات. وبقيت الدولة. دخل الاحتلال. وبقي الوطن. دخل المعتدي يريد محو الكويت من الخريطة السياسية. فخرجت الكويت من الأزمة وهي أكثر رسوخًا في الذاكرة، وأكثر وضوحًا في هويتها، وأكثر إدراكًا لقيمة سيادتها، وأكثر وفاءً لمن وقف معها. وهنا لا تكون العبارة الأخيرة مجرد خاتمة لمقال، بل خلاصة ستة وثلاثين عامًا:
لقد استطاع الغزو أن يحتل الكويت سبعة أشهر، لكنه لم يستطع أن يحتلها في معناها. فالاحتلال يملك الأرض لحظة، أما الوطن فيملك التاريخ أبدًا. والكويت لم تنتصر لأنها عادت إلى أرضها فقط؛ انتصرت لأنها أثبتت أن الدولة التي تحملها شرعيتها، ويحرسها شعبها، وتصونها مؤسساتها، ويقف إلى جانبها أشقاؤها، وفي مقدمتهم السعودية، لا يستطيع الغزاة أن يمحوا اسمها، ولا أن يصادروا هويتها، ولا أن يكتبوا نهايتها.
سقط الاحتلال.. وبقيت الكويت.
***
- باحث في التراث الكويتي والخليجي