أحمد الأسمري
نامت الكويت ليلة الثاني من أغسطس 1990 هادئة مستقلة، واستيقظت مع الفجر على جحافل غازية تبعثر سكونها. دبابات تذرع الشوارع، وجنود يستبيحون المؤسسات، وسماء يثقلها الرعب وهدير المروحيات.
ومن مكان سري خرج صوت إذاعة الكويت؛ ضعيف الإرسال، قوي الوجع: «أيها العرب نستنجد بكم… جزء من أرض العروبة يتعرض للغزو».
أحكم الاحتلال العراقي قبضته، لكن الكويت لم تفقد صوتها. ظلت تنادي شقيقاتها: «مصيرنا واحد، ومسؤوليتنا مشتركة».
منذ الساعات الأولى، بلغت أنباء الغزو الملك فهد بن عبدالعزيز، وكان سفيره في الكويت عبدالله السديري ينقل إليه تطورات المشهد. وعلى ساحل البحر الأحمر بدأت واحدة من أثقل ساعات القرار السعودي.
قبل الفاجعة بأيام، كان الملك يسابق الوقت لمنعها. وبعد خطاب صدام التصعيدي في ذكرى استيلاء حزب البعث على الحكم في العراق، تحرك قادة عرب، وفي مقدمتهم الملك فهد والرئيس حسني مبارك. وبلغت المساعي ذروتها بجمع الوفدين العراقي والكويتي في جدة، برئاسة عزت إبراهيم والشيخ سعد العبدالله، لكن قرار الغزو كان قد اتُخذ في بغداد، وحشود الغدر تنتظر ساعة الصفر.
مساء يوم الاجتياح، صدر بيان سعودي مقتضب: المملكة تتابع «بقلق بالغ» ما يجري على أرض الكويت الشقيقة، والملك فهد بدأ منذ الفجر اتصالات مكثفة بالقادة العرب، بدءاً بصدام، سعياً وراء إعادة الأمور إلى مجاريها.
كانت لغة الساعات الأولى حذرة، في محاولة لانتزاع انسحاب سريع قبل أن يتحول العدوان إلى واقع يراد للعالم أن يعتاد عليه.
وكان من أول ما شغل الملك الاطمئنان إلى سلامة الشيخ جابر وولي عهده بعد وصولهما براً إلى المملكة، فيما واصلت قوات صدام زحفها حتى الحدود السعودية. وفي اتصاله بالرئيس جورج بوش مساء يوم الغزو، طلب الملك منح التشاور العربي فرصته قبل بحث إرسال قوات أمريكية.
لكن صدام مضى في غيّه، فاتخذ فهد قراره الجريء في لقائه بوزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني: حماية الوطن ومقدراته، وفتح الطريق إلى تحرير الكويت عبر الاستعانة بالقوات الصديقة، إلى جانب القوات السعودية والعربية والإسلامية.
توافدت الجيوش، ثم جاءت القمة العربية الطارئة في القاهرة صاخبة ومنقسمة، فأدانت الغزو، وتمسكت بسيادة الكويت وشرعيتها، وأقرت إرسال قوات عربية لمساندة المملكة ودول الخليج.
وحملت السعودية ما تجاوز أعباء المواجهة؛ استضافت أمير الكويت وحكومته، وفتحت أبوابها لشعب جار اقتُلع من أرضه، واستقبلت مئات الآلاف من الجنود، وتحملت التكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللوجستية والإعلامية. وبلغ القلق حد سحب بعض الأفراد مدخراتهم من المصارف، قبل أن يعيد ثبات الدولة الطمأنينة إلى الأسواق، فتعود الأموال إلى حساباتها.
ومع الاستعداد للمواجهة، ظل الملك يطرق أبواب الحل السلمي. وفي قمة الدوحة الخليجية أواخر 1990، اختصر موقفه بكلمات بقيت للتاريخ: «اتخذنا قراراً بعودة الكويت، سلماً ما أمكن السلم، وحرباً حين لا يبقى سوى الحرب».
انتهت المهلة، ولم يبق سوى الإذن الأخير.
في واشنطن، رفع السفير السعودي الأمير بندر بن سلطان سماعة هاتف غير مشفر أمام وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر، وأبلغ الملك أن «عائلة سليمان الحيلي» ستأتي عند الثانية فجر الخميس 17 يناير 1991 بتوقيت المملكة. كانت العبارة شفرة لطلب الإذن ببدء العمليات. فهم الملك الرسالة، فأذن.
ومع حلول الموعد، هبت «عاصفة الصحراء» في وجه المحتل. ووصف الملك حرب التحرير بأنها «سيف الحق وصوته الداعي إلى رفع الظلم». وبعد أسابيع عادت الكويت حرة، ورفرف علمها من جديد فوق ثراها.
انتصر فهد؛ حمى بلاده، وأعاد الكويت إلى أهلها وحكمها الشرعي، وأظهر صلابة القائد ومنعة الوطن. أما صلف صدام فجرّ على العراق سنوات مظلمة، سقط فيها نظامه، ودخل العراق جحيم الاحتلال والاحتراب، ودفع العراقيون ثمن مغامرة لم يختاروها. وما يزال العراق حتى اليوم يتلمس طريقه نحو دولة تكتمل فيها السيادة، ويتقدم فيها قرار الوطن على نفوذ الخارج.
وبعد خمسة عشر عاماً، عاد الثاني من أغسطس ليكتب في سيرة الملك فهد سطراً جديداً. ففي التاريخ الذي جابه فيه أثقل تحديات عهده، شيّعه أبناء شعبه وأمته إلى مقبرة العود. رحل الملك، وبقيت الكويت الحرة شاهدة على شجاعته التي أنقذت وطناً وصانت أوطاناً.
هكذا تكون المملكة دوماً في الملمات: تحمل العبء، وتحفظ العهد، وتبذل من أمنها ومالها حتى يصحصح الحق ويرتدع المعتدي. ذلك ديدنها الذي لم يتبدل.
في صباح 2 أغسطس، نادت الكويت العرب، فلبّى الفهد وشعبه النداء.