عبود بن علي ال زاحم
ليس أخطر ما تواجهه بيئات العمل أن ينجح شخص لا يستحق، بل أن يقتنع الموظفون بأن النجاح لا يحتاج إلى كفاءة بقدر ما يحتاج إلى مهارة في الظهور.
هذه القناعة لا تولد فجأة، وإنما تنشأ عندما تتكرر مشاهد الترقية والعلاوة والمناصب من دون أن تكون مرتبطة بإنجاز واضح أو أثر ملموس. عندها يبدأ الموظف المجتهد في مراجعة قناعاته، ويتساءل: هل أقضي وقتي في تطوير عملي، أم في تحسين صورتي أمام الآخرين؟
في كل منظمة يوجد من يعمل بصمت، ويوجد من يجيد الحديث عن إنجازاته، وهذا أمر طبيعي. لكن الخلل يبدأ عندما يصبح الصوت أعلى قيمة من الأثر، وعندما تتحول العلاقات الشخصية إلى طريق مختصر يتجاوز الكفاءة والجدارة.
لقد أكدت العديد من الدراسات في إدارة الموارد البشرية أن العدالة التنظيمية من أكثر العوامل تأثيرًا في رضا الموظفين وولائهم واستمرارهم في العمل. وتشير أبحاث Gallup إلى أن شعور الموظف بالتقدير والإنصاف يرتبط ارتباطًا مباشرًا بارتفاع مستويات الأداء والانتماء، بينما تؤكد تقارير SHRM أن غياب العدالة في الترقيات من أبرز أسباب انخفاض الثقة بالقيادة وارتفاع معدل دوران الكفاءات.
المشكلة أن الموظفين لا يقيمون عدالة المنظمة من خلال اللوائح المكتوبة، بل من خلال القرارات التي يشاهدونها كل يوم. فهم يراقبون من تتم ترقيته، ومن يحصل على المكافآت، ومن يُمنح الفرص النوعية. فإذا كانت هذه القرارات منسجمة مع الأداء، ازدادت الثقة. أما إذا بدت مرتبطة بالانطباعات أو العلاقات، فإن الرسالة التي تصل للجميع تكون مختلفة تمامًا.
وحينها لا تتغير النتائج فقط، بل تتغير السلوكيات أيضًا. فبدلًا من التنافس على جودة العمل، يبدأ التنافس على لفت الانتباه. وبدلًا من الاستثمار في تطوير المهارات، يصبح الاستثمار في بناء النفوذ الشخصي. ومع مرور الوقت تتحول ثقافة الإنجاز إلى ثقافة ظهور، وتفقد المنظمة تدريجيًا أفضل ما لديها من عقول.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن الكفاءات نادرًا ما تغادر بسبب ضغط العمل أو كثرة المسؤوليات، لكنها كثيرًا ما تغادر عندما تشعر أن الجهد لا يغيّر شيئًا، وأن التميز لا يجد من يقدره. ولذلك فإن خسارة الموهوبين تبدأ غالبًا قبل تقديم استقالاتهم بوقت طويل، عندما يفقدون الحماس ويقتنعون بأن العدالة لم تعد هي المعيار.
ولا يعني ذلك أن كل من حصل على ترقية أو منصب وصل إليه بالمجاملات أو العلاقات، فالكثير من القيادات والموظفين استحقوا مواقعهم بجدارة. لكن وجود حالات محدودة تكفي لإضعاف ثقة العاملين إذا لم تكن معايير الاختيار واضحة ومعلنة.
الحل لا يكون بملاحقة الأشخاص أو التشكيك في النوايا، وإنما ببناء أنظمة تجعل العدالة أكثر وضوحًا من الاجتهادات الشخصية. فكلما ارتبطت الترقيات والعلاوات بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وشاركت في تقييمها أكثر من جهة، وتوافرت تغذية راجعة موضوعية، أصبحت الكفاءة هي الطريق الطبيعي للتقدم، وتراجعت مساحة الانطباعات الفردية.
وقد لخّص الخبير الإداري Peter Drucker هذه الفكرة عندما أكد أن ما يمكن قياسه يمكن إدارته. فالمنظمات التي تقيس الأداء بوضوح، وتربط المكافآت بالنتائج، لا تترك مساحة كبيرة لأن يصبح الظهور بديلًا عن الإنجاز.
في النهاية، لا يُقاس نجاح المنظمة بعدد من تمت ترقيتهم، بل بعدد الكفاءات التي استطاعت الاحتفاظ بها. فكل قرار عادل في الترقية هو رسالة بأن الاجتهاد لا يضيع، وكل قرار يفتقد إلى العدالة قد يكون بداية خسارة موهبة كان يمكن أن تصنع مستقبل المنظمة.