مبارك بن عوض الدوسري
لم يكن قرار مجلس الوزراء، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله -، بتسمية عام (2027م) بـ(عام الماء)، مجرد تسمية رمزية لعام جديد، بل يمثل إعلاناً وطنياً بأن المياه أصبحت قضية تنموية واستراتيجية تستحق أن تتحول إلى ثقافة مجتمعية وسلوك يومي، وأن مسؤولية المحافظة عليها مسؤولية الجميع.
ومن بين الجهات القادرة على تحويل هذا التوجه الوطني إلى واقع ملموس، تبرز جمعية الكشافة العربية السعودية بما تمتلكه من انتشار واسع في مختلف مناطق المملكة، ومنهج تربوي يقوم على التعلم بالممارسة، وآلاف القادة والقائدات والفتية والشباب الذين يمثلون طاقة وطنية هائلة قادرة على صناعة التغيير الإيجابي في المجتمع.
إن «عام الماء» يمكن أن يصبح أحد أبرز الأعوام في تاريخ الحركة الكشفية السعودية إذا ما تم استثماره من خلال برنامج وطني متكامل، يجعل من كل وحدة كشفية سفيراً للمياه، ومن كل معسكر أو مخيم أو دراسة كشفية نموذجاً عملياً لترشيد الاستهلاك والمحافظة على هذا المورد الحيوي.
تتوافق هذه المبادرات بصورة مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها الهدف السادس المتعلق بضمان توافر المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي وإدارتها إدارة مستدامة، والهدف الثاني عشر الخاص بالاستهلاك والإنتاج المسؤول، إضافة إلى الهدف الرابع عشر المعني بحماية البيئة البحرية والمحافظة على الحياة تحت الماء.
تكتسب هذه الأهداف أهمية مضاعفة عندما ندرك أن ملايين البشر حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى المياه النظيفة أو خدمات الصرف الصحي الأساسية، وهو ما يجعل ترشيد استهلاك المياه والمحافظة عليها مسؤولية إنسانية قبل أن تكون مسؤولية بيئية.
ولأن الكشافة تعتمد على التعلم بالممارسة، فإن أفضل وسيلة لترسيخ هذه المفاهيم هي أن تتحول جميع أنشطتها إلى بيئات تطبيقية حقيقية؛ ففي المعسكرات الكشفية يمكن اعتماد أنظمة دقيقة لقياس استهلاك المياه، وتحديد معدل استهلاك كل مشارك، ثم تنفيذ مسابقات بين الطلائع لتقليل الهدر، مع تدريب المشاركين على إعادة استخدام المياه الرمادية في ري الأشجار أو تنظيف بعض المواقع متى ما كان ذلك مناسباً وآمناً، وتركيب أدوات ترشيد المياه في مواقع المعسكرات، وإجراء قياسات يومية توضح أثر السلوك الإيجابي في خفض الاستهلاك.
كما يمكن أن تتضمن جميع الدراسات والدورات القيادية ورشاً تدريبية متخصصة حول الأمن المائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والتغير المناخي، والتقنيات الحديثة في ترشيد المياه، ليخرج القائد الكشفي وهو يمتلك المعرفة العلمية والقدرة على نقلها إلى أفراد وحدته الكشفية.
ومن المبادرات الجديرة بالإحياء خلال «عام الماء» إعادة تفعيل المشروع الرائد الذي نفذته جمعية الكشافة العربية السعودية عام 2003م تحت شعار «الماء هو الحياة»، والذي جاء آنذاك ضمن أسبوع البيئة، واستهدف غرس قيم المحافظة على البيئة ومصادر المياه من خلال المناهج الكشفية؛ واليوم وبعد أكثر من عقدين، تبدو الحاجة أكبر لإعادة إطلاق هذا المشروع بحلّة عصرية، تستفيد من التقنيات الرقمية، والتطبيقات الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، لتصل رسالته إلى مختلف شرائح المجتمع.
كما يمثل «عام الماء» فرصة مثالية لإعادة تفعيل شارات الهواية المرتبطة بالمياه والبيئة والاستدامة في جميع المراحل الكشفية، بحيث لا تكون مجرد متطلبات نظرية، بل برامج عملية تشمل قياس استهلاك المياه، وتنفيذ مبادرات توعوية، وزيارات لمحطات التحلية والسدود، والمشاركة في حملات التشجير، وتنظيف مجاري الأودية والشواطئ، والتعرف على التقنيات الحديثة في إدارة الموارد المائية.
وعلى المستوى العالمي، تقدم الحركة الكشفية نماذج ملهمة يمكن الاستفادة منها وتطويرها بما يتناسب مع البيئة السعودية.
ففي الفلبين، نفذ الكشافون مشروعاً لاستعادة البيئة الساحلية من خلال تنظيف الشواطئ التي تراكمت فيها النفايات، حيث نجحوا في إزالة المخلفات، وفرزها، وإعادة تدويرها، مع تدريب المشاركين على إجراءات السلامة والعمل الجماعي، الأمر الذي أسهم في عودة الحياة الطبيعية إلى المنطقة، وزيادة وعي المجتمع بأهمية المحافظة على السواحل.
وفي ساحل العاج، بدأت المبادرة بفكرة بسيطة بعد إصابة طفل بسبب مخلفات على الشاطئ، فتحولت إلى مشروع تطوعي دوري، استطاع خلال أشهر قليلة جذب متطوعين جدد، وتغيير سلوك كثير من مرتادي الشواطئ، ليؤكد أن المبادرات الصغيرة عندما يقودها الشباب بإخلاص تتحول إلى مشاريع مجتمعية مؤثرة.
أما في البرازيل، فقد نظم الكشافون بالتعاون مع المجتمع المحلي حملة لتنظيف ضفاف نهر سينوس، أزالوا خلالها النفايات الصلبة، وأسهموا في حماية النظام البيئي للنهر، مع التأكيد على أن المحافظة على الموارد الطبيعية تحتاج إلى برامج مستمرة، لا إلى حملات موسمية؛ وتؤكد هذه التجارب أن الكشافة في مختلف أنحاء العالم أصبحت شريكاً أساسياً في حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، وأن نجاحها يعتمد على تحويل العمل التطوعي إلى أسلوب حياة.
وفي المملكة يمكن لجمعية الكشافة العربية السعودية أن تطلق مبادرات وطنية تحمل عناوين مثل: «كل قطرة مسؤولية»، و»الكشاف الموفّر للماء»، و»معسكر بلا هدر»، و»رسل السلام رسل الماء»، بحيث تشمل مسابقات وطنية بين الوحدات الكشفية، وجوائز للمبادرات المتميزة، وإنتاج مواد إعلامية توعوية، وإطلاق تحديات رقمية يقودها الفتية والشباب لنشر ثقافة الترشيد بين أفراد المجتمع.
كما يمكن تنفيذ برنامج تدريبي موحد لجميع المراحل الكشفية بعنوان «كيف نقلل استهلاكنا للمياه؟»، يبدأ بقياس استهلاك المياه في المنزل لمدة أسبوع، ثم تحليل النتائج، ومناقشة وسائل الترشيد، والتعرف على مفهوم المياه الرمادية وإعادة استخدامها، وربط ذلك بالمسؤولية البيئية والاقتصادية، ليصبح الكشاف قدوة داخل أسرته قبل أن يكون قدوة في مجتمعه.
ويمكن أيضاً دمج رسائل «عام الماء» في جميع المناسبات الكشفية، والمخيمات الوطنية، والمعسكرات الخلوية، والرحلات، والأنشطة البحرية، ومشروعات الخدمة العامة، بحيث تصبح المحافظة على المياه جزءاً أصيلاً من الثقافة الكشفية، وليست نشاطاً موسمياً مرتبطاً بعام معين.
إن الكشافة السعودية تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لأن تكون إحدى أبرز الجهات الوطنية الداعمة لـ»عام الماء»، ليس فقط عبر حملات التوعية، بل من خلال بناء جيل يؤمن بأن كل قطرة ماء ثروة وطنية يجب المحافظة عليها، وأن الاستدامة تبدأ من السلوك اليومي، وأن خدمة الوطن لا تقتصر على الأعمال التطوعية فحسب، بل تشمل أيضاً حماية موارده الطبيعية وصونها للأجيال القادمة.
يبقى الأمل كبيراً في أن يشهد عام 2027 إطلاق برنامج كشفي وطني شامل يجعل من الكشاف السعودي نموذجاً في ترشيد استهلاك المياه، وسفيراً للاستدامة، وشريكاً فاعلاً في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، لترسخ الحركة الكشفية مرة أخرى دورها التربوي والوطني في صناعة الإنسان، وحماية البيئة، وبناء مستقبل أكثر استدامة.