د. سطام بن عبدالله آل سعد
بلغت ديون نادي النصر 800 مليون ريال، بحسب ما نشرته بعض الصحف. رقم صادم يقترب من المليار، ويصعب تفسيره بوصفه ناتجًا عن سوء تقدير، خصوصًا أن معظم هذه الالتزامات نشأت عن قرارات اتُّخذت خلال الموسم الماضي. وهي مدة قصيرة قياسًا بحجم المبلغ، ما يجعل القضية أكبر من تعثّر مالي مؤقت، وأقرب إلى أزمة في الإدارة والرقابة واتخاذ القرار.
وتتضح أبعاد هذه الأزمة بالنظر إلى مسار الإنفاق الذي سبقها؛ فحجم التعاقدات والرواتب والمصروفات خلال الفترة الماضية كان يكشف عن إنفاق مرتفع يتجاوز الإيرادات والقدرة المالية، ولعل ذلك يعود إلى السعي لتحقيق مكاسب عاجلة على حساب الاستدامة المالية. ومع استمرار هذا المسار، تضخمت الديون تدريجيًا بفعل تراكم الالتزامات المالية، وهي أعباء كان يفترض أن تكشفها الميزانيات والتدفقات النقدية والتقارير الدورية تباعًا، وأن ترصدها منظومة الحوكمة في مراحل مبكرة، قبل أن تبلغ مستوى يهدد استقرار النادي.
ومن هذا القصور تبرز مسألة المسؤولية، التي تتوزع بين من اتخذ القرارات داخل النادي، ومن راجعها وأجازها، ومن تابع آثارها المالية. فإن كانت الجهات الرقابية تجهل حجم الالتزامات، فهناك خلل في الإفصاح والمتابعة. وإن كانت تعرف واستمر الإنفاق، فهناك خلل في فاعلية الرقابة. أما إذا مرت تلك القرارات بموافقات رسمية، فمن الضروري توضيح الأسس التي سمحت باستمرارها حتى بلغ الدين هذا المستوى.
وأمام هذا الوضع، تبدو الإجراءات التي بدأها صندوق الاستثمارات العامة، من تقييد بعض الصلاحيات، والاستعانة بشركات استشارية، وربط التعاقدات الجديدة بتوافر السيولة، خطوات ضرورية للمعالجة. غير أن المعالجة المالية وحدها لا تكفي؛ فالمطلوب تحديد مكامن الخلل، ومحاسبة المسؤولين عنه، ومراجعة آليات الموافقة والرقابة، حتى لا يتحول إنقاذ النادي إلى تسوية مؤقتة تعقبها أزمة جديدة.
ومن معالجة الحالة الراهنة نصل إلى الدرس المهم، الذي يتجاوز نادي النصر إلى مستقبل القطاع الرياضي بأكمله. فالأندية السعودية دخلت مرحلة استثمارية كبيرة، تتطلب إدارات تتمتع بالكفاءة والانضباط والمساءلة، وأنظمة رقابية قادرة على التدخل قبل وقوع الضرر. فوفرة الأموال وحدها لا تكفي لحماية الاستثمار الرياضي، ما لم تصاحبها حوكمة تضبط الإنفاق، وتوازن بين الطموح والقدرة المالية، وتحافظ على استدامة الأندية.
وبعد كل هذه المؤشرات، وما يُفترض وجوده من رقابة ومتابعة، يبقى السؤال: إذا استطاعت ديون نادٍ واحد أن تبلغ 800 مليون ريال تحت أنظار الرقابة، فما الذي كانت تحكمه الحوكمة طوال هذه الفترة؟