أحمد بن عبدالرحمن آل سحمان
مات الشيخ هيف بن محمد بن عبود القحطاني - رحمه الله -، وقد كان علمًا بارزًا من أعلام الكرم والشهامة والنخوة، ورجلًا من رجالات الوطن الأوفياء الذين تركوا بصمات واضحة وخالدة في أعمال الخير، ولم يترك وراءه فراغًا مكانيًا فحسب، بل خلّف فراغًا كبيرًا في قلوب محبيه، وفي ميادين الخير والإصلاح والعطاء.
لقد كان قامةً وطنية، وكان سندًا كبيرًا ومثلًا أعلى في حسن المعشر وطيب الوفاء واجتماعية شامخة، ورجلًا من رجالات الوطن الذين سطروا بأفعالهم معاني الكرم، والشهامة، والنخوة، حتى غدت سيرته مضرب المثل بين الناس.
لقد أثبت الراحل بما عُرف عنه من سجايا ومناقب كريمة أن المجد الحقيقي يُبنى بالعطاء المستمر وحب الخير للآخرين. ولا يُقاس الرجال بما يملكون من حطام الدنيا، وإنما بما يتركونه في القلوب من أثرٍ طيب، وفي المجتمع من أعمالٍ خالدة، وفي صفحات التاريخ من مواقف مشرّفة.
كان الشيخ هيف - رحمه الله - ممن جمع الله لهم محبة الناس، وحسن الذكر، وجميل الأثر.
فقد كان الفقيد مدرسة قائمة بذاتها في الكرم العربي الأصيل، عُرفت مجالسه العامرة وقصوره المفتوحة بأنها مقصد للضيف، وملاذ للمحتاج، ومجلس يجتمع فيه القريب والبعيد.
لم يُعرف عنه أنه رد سائلًا أو أغلق بابه في وجه طالب حاجة، بل كان بشوش الوجه، كريم النفس، يرى في إكرام الناس شرفًا ورسالة.
لم يكن حضوره مقتصرًا على المجالس، بل كان حاضرًا في قلوب الناس. للكبير أخًا وسندًا، وللصغير أبًا ومربيًا وناصحًا، يغمر الجميع بتواضعه، وحكمته، وحرصه على توثيق أواصر المحبة والترابط الاجتماعي.
لم يحتج يومًا إلى فرض مكانته وسلطانه، فالمحبة الحقيقية تزرع وتسكن بالقلوب وبما يقدمه الإنسان من صدق وإخلاص.
لقد حاز على محبة الجميع بلا استثناء وكان ملاذًا للحكمة، وعنوانًا للنقاء والشهامة.
وكان له وقار يسبق حضوره، وهيبة يزيدها تواضعه رفعة. وإذا تكلم أصغى العقل قبل الأذن، فحديثه موزون، ومنطقه رصين، وكلامه تزدان به المواقف ويهدي إلى سواء السبيل.
كان كل من رآه يرى في محياه نور الصدق وطمأنينة الإيمان؛ فكلما نظرت إلى وجهه أحسست بنور يتلألأ في محياه، وكلما نطق نطق بحكمة ومنطق.
عُرف الشيخ هيف بمواقفه المشهودة في الفزعة، وإغاثة الملهوف، وفك كرب المكروبين، والإسهام في عتق الرقاب ومساندة المحتاجين بصمت وإخلاص، كما كان من أبرز الساعين في إصلاح ذات البين، وتقريب وجهات النظر، وجمع الكلمة، حتى اقترن اسمه بالشهامة والمروءة والنخوة الأصيلة.
تتجلى الحكمة في عينيه قبل أن تخرج من شفتيه وكأن عمره المديد قد تجمع في مواقف عنوانها حسن التدبير ونقاء السريرة.
وجه تراءى فيه الصدق حتى صار لنور اليقين عنوانًا، وقلب أبيض لا يحمل إلا الخير، تفيض روحه طمأنينة على كل من حوله.
ولم يكن نجاحه في عالم الأعمال غاية بحد ذاته، بل جعله وسيلة لخدمة دينه ووطنه ومجتمعه. فقد أسس شركة هيف للتجارة والمقاولات، وأسهم من خلالها في دعم التنمية، وتوفير فرص العمل، والمشاركة في مشاريع البناء والإعمار.
امتدت أياديه البيضاء إلى العديد من المبادرات الوطنية والخيرية، فكان من الداعمين للأوقاف والمشروعات التعليمية والتنموية، ومن أبرزها أوقاف جامعة الملك خالد، كما دعم القطاعات الخيرية والصحية، ومنها مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة، إيمانًا منه بأن خير المال ما كان نفعه للناس.
لقد ملك الشيخ هيف بن عبود أجود الإبل ونافس بها على مستوى المملكة، وكذلك الخيل العربية الأصيلة بالداخل والخارج.
وفي مطلع عام 1448هـ، افتتح مجمع دار زهرة بنت سعد بن عبدالله لتحفيظ القرآن الكريم في محافظة أحد رفيدة، ليضيف بصمة جديدة إلى سجل أعماله المباركة، ويترك صدقة جارية حتى مماته لينتفع بها الناس بإذن الله.
رحل رحمه الله عن عالمنا، لكن سيرته العطرة ومآثره الجليلة ستظل حية في الذاكرة تروى للأجيال القادمة لتكون نموذجًا فريدًا للرجل الحق الذي جمع بين نبل الأصل وسخاء الكف ونقاء السريرة.
رحل الشيخ هيف بن محمد بن عبود القحطاني عن الدنيا، لكن الرجال الأوفياء لا ترحل سيرتهم.
ستظل مواقفه تروى، وأعماله تذكر، ودعوات المحتاجين شاهدة له، ومحبة الناس خير أثر يخلفه الإنسان بعد رحيله.
سلامٌ على من أضاءت سيرته القلوب، وجمعت حكمته الأرواح، واستحق عن جدارةٍ محبة الناس ودعاءهم.
رحم الله الشيخ هيف بن محمد بن عبود القحطاني، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ما قدمه من خيرٍ وإحسان في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان..
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.