أنس تشكالا
ليس أصعب على المجتمعات من أن تفقد رجالًا كانوا جزءًا من ذاكرتها الحية، ومصابيح تهدي أبناءها في مسالك العلم والفكر، فالعلماء لا يملؤون فراغًا وظيفيًا يمكن تعويضه، وإنما يشغلون مكانًا في الوجدان، ويصنعون أثرًا في العقول، ويغرسون في الأجيال قيمًا تبقى بعد رحيلهم، وإذا كان لكل إنسان نهاية محتومة، فإن العلماء يمتازون بأن أعمارهم لا تُقاس بعدد السنين التي عاشوها، وإنما بما تركوه من علم، وما ربّوه من رجال، وما بثّوه من معانٍ في حياة الناس.
ومن هؤلاء الذين تركوا أثرًا باقيًا الأستاذ ك. علي كُوتي مسليار، الذي أفنى عمره في خدمة العلم والتربية، حتى غدا اسمه حاضرًا في ذاكرة كثير من طلاب العلم ومحبيه في كيرالا وخارجها، ولم يكن حضوره نتيجة منصب أو شهرة عابرة، بل ثمرة رحلة طويلة من البذل، والإخلاص، والعمل الهادئ الذي لا يبحث عن الأضواء بقدر ما يبحث عن صناعة الإنسان.
لقد أدرك الراحل أن التعليم ليس نقلًا للمعلومات فحسب، وإنما هو بناء للعقول وتهذيب للنفوس، ولذلك كان قريبًا من طلابه، يوجههم بالحكمة، ويغرس فيهم محبة العلم، ويذكرهم دائمًا بأن قيمة الإنسان فيما يحمله من خلق قبل أن تكون فيما يحمله من شهادة، وكان يرى أن الأمة لا تنهض إلا إذا اجتمع العلم بالعمل، والمعرفة بالأخلاق، والفكر بالمسؤولية.
ولعل أبرز ما يميز العلماء الصادقين أنهم لا يجعلون من العلم وسيلة للتفاخر، وإنما يحملونه رسالةً لخدمة الناس، وهذا ما عرفه كل من اقترب من الأستاذ ك. علي كُوتي مسليار؛ فقد كان متواضعًا في حديثه، سمحًا في تعامله، كريمًا في نصحه، واسع الصدر مع مخالفيه، مؤمنًا بأن الحوار الهادئ أقرب إلى القلوب من الخصومة، وأن الكلمة الطيبة قد تفتح من مغاليق النفوس ما تعجز عنه الخطابات الصاخبة.
وقد شهدت المؤسسات العلمية في كيرالا خلال العقود الماضية جهودًا كبيرة في تطوير التعليم الشرعي وربطه بمتطلبات العصر، وكان للراحل إسهامه في هذه المسيرة المباركة، إيمانًا منه بأن المحافظة على الأصالة لا تعني الانغلاق، وأن الانفتاح على العصر لا يقتضي التفريط في الثوابت، فكان مثالًا للعالم الذي يجمع بين الاعتزاز بالتراث، وحسن قراءة الواقع.
إن الأمم التي تحترم علماءها لا تنظر إليهم بوصفهم أفرادًا، بل بوصفهم حَمَلَةَ رسالة، فالعالم الحق لا يصنع الكتب وحدها، بل يصنع الرجال، ويغرس فيهم روح المسؤولية، ويمنحهم القدرة على مواصلة الطريق من بعده، ولهذا فإن أثر العلماء يمتد عبر تلاميذهم، كما تمتد الشجرة في أغصانها، فتثمر بعــد أن يغيب غارسها.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتتنافس فيه الأصوات على جذب الانتباه، تزداد الحاجة إلى نماذج من العلماء الذين يجمعون بين الرسوخ العلمي والاتزان الفكري، ويقدمون للناس خطابًا يبعث الطمأنينة، ويقرب ولا ينفر، ويبني ولا يهدم، وهذه النماذج هي التي تحفظ للمجتمع توازنه، وتمنحه القدرة على مواجهة التحديات بعلم وبصيرة.
وربما كانت أعظم شهادة تُقال في حق العالم أن يترك خلفه أجيالًا تحمل رسالته، وتسير على نهجه، وتذكره بالدعاء كلما انتفعت بعلم أو استلهمت خلقًا.
فالأشخاص يرحلون، أما المبادئ التي عاشوا لها فتظل نابضة في حياة الناس، تتجدد مع كل طالب علم، وكل معلم، وكل كلمة خير.
ولئن كان الموت سنة ماضية في البشر جميعًا، فإن عزاء الأمة في علمائها أنهم لا يغيبون غيابًا كاملًا؛ إذ تبقى كتبهم، وأفكارهم، وتلاميذهم، ومواقفهم، شواهد على حياةٍ ملأها العطاء.
وقد صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وليس من أعظم صور العلم المنتفع به من عالم جعل حياته وقفًا على تعليم الناس وإرشادهم.
رحم الله الأستاذ ك. علي كُوتي مسليار رحمةً واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه جميل الصبر والسلوان.
وإن خير الوفاء للعلماء ليس في كثرة كلمات الرثاء، بل في مواصلة الطريق الذي ساروا فيه، وحمل الرسالة التي أفنوا أعمارهم من أجلها، حتى يبقى نور العلم متقدًا، جيلاً بعد جيل.