د.عيد بن حجيج الفايدي
قال الله تعالى {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]. تبدأ قصة الإنسان على كوكب الأرض من هذه الحقيقة القرآنية المطلقة التي تؤكد أن الماء هو أصل الحياة وسر بقائها. ويشير المفسرون، ومنهم الإمام القرطبي، إلى أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الماء مجرد عنصر طبيعي، بل جعله المادة التي خُلق منها كل حي وحُفظت بها حياته. وتأتي الحقائق العلمية الحديثة لتعزِّز هذا التفسير، حيث يمثِّل الماء المكون الأساسي للخلايا الحيَّة، والوسيط الضروري لكافة التفاعلات الحيوية التي تضمن استمرار الكائنات. ومن هذا المنطلق ، يكتسب قرار مجلس الوزراء السعودي، برئاسة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بتسمية عام 2027م بـ «عام الماء» أبعاداً تتجاوز الرمزية لتصل إلى عمق الإستراتيجية الوطنية. إن هذا الإعلان الإستراتيجي يعكس وعياً متراكماً بمكانة الماء في مشروع التنمية الوطنية الشاملة، حيث انتقلت المملكة العربية السعودية من مرحلة «إدارة الندرة» إلى مرحلة «صناعة المستقبل المائي». ففي بلد صحراوي كالمملكة، لم يكن الماء يوماً مجرد مورد تقني، بل كان حجر الزاوية في استقرار المجتمعات ونشوء الحضارة ومسارات التجارة والحج عبر التاريخ. واليوم، يتجسد هذا الوعي في رؤية تنظر إلى الماء كعنصر جوهري في الأمن الوطني الشامل، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بالتغير المناخي والنمو السكاني المتزايد، مما جعل القدرة على تأمين المياه وإدارتها بكفاءة معياراً لقوة الدول واستدامة اقتصاداتها. وقد شهد قطاع المياه في المملكة تحولاً جذرياً يعكس الانتقال من مفهوم تأمين الاحتياج اليومي إلى مفهوم إدارة الاستدامة المتكاملة.
فبفضل الله عزَّ وجلَّ ثم تلك الاستثمارات الضخمة في تقنيات تحلية مياه البحر وتطوير شبكات النقل والتخزين، تجاوزت إمدادات المياه 16 مليون متر مكعب يومياً، مما وضع المملكة في مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال. وهذا التحول لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يمتد ليشمل العمق التاريخي والثقافي للجزيرة العربية، حيث ارتبط الماء في الذاكرة الجمعية بمعاني الكرم والضيافة، وكانت «السقاية» وخدمة الحجيج بتوفير الماء العذب إرثاً ومسؤولية وأمانة يدركها كل من يعمل في قطاعات هذا الوطن.