عمرو أبوالعطا
حين يشتد القيظ فوق سهول الجزيرة العربية وتتصاعد درجات الحرارة في كثير من مدن الخليج، تتجه الأنظار داخل المملكة العربية السعودية نحو الجبال العالية التي صنعت لنفسها جغرافيا مختلفة ومناخاً مغايراً ومشهداً أقرب إلى اللوحات الطبيعية المفتوحة. هناك، في الجنوب والغرب، تتشكل ثلاثية سياحية صنعتها الطبيعة وصقلها التاريخ وتعمل رؤية السعودية 2030 على إعادة تقديمها للعالم بوصفها وجهات صيفية عالمية. أبها والطائف والباحة عوالم متجاورة تجمع بين الضباب والورد والغابات والقرى الحجرية والذاكرة الثقافية، لتقدم نموذجاً لسياحة سعودية جديدة تتحرك خارج الصورة التقليدية المرتبطة بالصحراء وحدها، وتكشف عن تنوع جغرافي ومناخي يجعل المملكة واحدة من أكثر بلدان المنطقة ثراءً في المشهد الطبيعي والسياحي.
تشكل هذه المدن الثلاث ما يمكن وصفه بـ»ثلاثية السياحة الصيفية في السعودية»، حيث تتجاور التجارب وتتكامل. في أبها تصعد الجبال إلى السحاب وتتشكل هوية بصرية من الضباب والعمارة العسيرية والفنون الشعبية، وفي الطائف تتعانق ذاكرة الأسواق القديمة مع عبق الورد وطرق الجبال، بينما تأسر الباحة زوارها بغاباتها الكثيفة وقراها المعلقة وطبيعتها الهادئة التي تجمع بين المغامرة والاستشفاء. هذه المدن باتت جزءاً من مشروع وطني واسع يسعى إلى تنويع الاقتصاد وتطوير السياحة وتحويل الجغرافيا المحلية إلى عنصر جذب عالمي.
تتربع أبها، عاصمة منطقة عسير، فوق جبال السروات كواحدة من أبرز الوجهات الجبلية في المملكة وأكثرها حضوراً في المخيلة السياحية السعودية. المدينة التي حملت عبر تاريخها أسماء وأوصافاً متعددة مثل «أبها البهية» و»عروس الجبل» و»سيدة الضباب»، تستمد سحرها من طبيعة تبدو وكأنها معلقة بين الأرض والغيوم. عُرفت قديماً باسم «أبقا»، ونمت عبر أحياء تاريخية مثل مناظر والقرى والربوع ونعمان ومفتاحة والخشع ومقابل، قبل أن تتحول إلى مركز إداري وثقافي وسياحي نابض بالحياة.
الموقع الجغرافي منحها خصوصيتها المناخية؛ فالمدينة القائمة فوق جبال السروات تتمتع بصيف معتدل وشتاء بارد نسبياً، كما تستقبل من بين أعلى معدلات الأمطار في المملكة، الأمر الذي يفسر خضرتها الدائمة وتنوعها النباتي. هذا المناخ صنع هوية مختلفة للمدينة، حيث يأتي الزائر بحثاً عن تجربة بصرية وروحية تبتعد عن صخب المدن الكبرى.
في قلب هذه التجربة تقف جبال السودة، أعلى قمم المملكة بارتفاع يصل إلى 3133 متراً فوق سطح البحر. مساحة تمتزج فيها البرودة النادرة بالإطلالات الواسعة على جبال عسير، حيث تتبدل المشاهد بين الضباب والغابات والمرتفعات الصخرية. رحلات التلفريك الممتدة بين السودة ورجال ألمع تضيف بعداً درامياً للمشهد، وتجعل الرحلة نفسها جزءاً من المتعة لا وسيلة انتقال فحسب.
ويبرز جبل ذرة، أو الجبل الأخضر، واحداً من المعالم الأبرز داخل المدينة، فيما تمنح بحيرة سد أبها فضاء هادئاً للاسترخاء وتأمل الطبيعة. أما متنزه السحاب وممشى الضباب، المعروف أحياناً بـ»كورنيش الضباب»، فيقدمان تجربة استثنائية للمشي وسط الغيوم ومشاهدة المدينة من علٍ، وكأن الجبال تفتح للزائر نافذة على مشهد يتجاوز المألوف. وتنتشر الحدائق والمتنزهات مثل حديقة المطار وحدائق سما أبها ومتنزه الروضة ومنتزه أبو خيال، لتضيف إلى المدينة مساحات خضراء تحتضن العائلات والزوار.
في أبها لا تقتصر الجاذبية على الطبيعة، فهناك أيضاً قرية المفتاحة التي تقدم نموذجاً للفن المعماري العسيري التقليدي، حيث تتجاور البيوت المزينة بالألوان والزخارف مع الذاكرة الثقافية للمنطقة. العمارة هنا تحمل روح المكان؛ مزيج من البناء الحجري والطيني، وجدران تزينها نقوش «القَط العسيري»، ذلك الفن النسائي الذي أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية. فالقَط العسيري يعتبر لغة بصرية كاملة تكشف عن حضور المرأة داخل الثقافة المحلية وقدرتها على تحويل الجدار إلى مساحة للهوية والجمال.
وترتبط أبها أيضاً بثرائها الزراعي الذي يشكل جزءاً من اقتصادها وذاكرتها معاً. المدينة معروفة بإنتاج التين والرمان والعنب والتفاح، إلى جانب القمح والشعير والدخن والذرة الرفيعة، كما اكتسبت شهرة واسعة بزراعة الورد والنباتات العطرية. مزارع الورد في المنطقة تنتج أكثر من أربعين مليون وردة سنوياً تستخدم في استخراج ماء الورد والعطور، وهو نشاط يمنح الزراعة بعداً اقتصادياً وسياحياً في آن واحد. وإلى جانب ذلك، تحتل تربية النحل وإنتاج العسل مكانة خاصة، حيث تشتهر المنطقة بعسل السدر والمجرة والشوكة والسلم والسمر والزهور، ويقام مهرجان العسل السنوي احتفاءً بهذا المنتج الذي صار جزءاً من هوية عسير الغذائية والثقافية.
هذه المقومات الطبيعية والتراثية دخلت مرحلة جديدة مع رؤية السعودية 2030 واستراتيجية عسير التنموية «قمم وشيم»، التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان بهدف تحويل المنطقة إلى وجهة عالمية على مدار العام. الاستراتيجية تستهدف استثمارات تتجاوز خمسين مليار ريال واستقطاب عشرة ملايين زائر بحلول 2030، عبر سلسلة مشاريع عملاقة تعيد رسم المشهد السياحي بالكامل.
في مقدمة هذه المشاريع تبرز «قمم سودا» أو Soudah Peaks، المشروع الفاخر القائم فوق أعلى قمم المملكة، والذي يطمح إلى تقديم تجربة سياحية فوق السحاب عبر ست مناطق تطويرية تشمل 2700 غرفة فندقية و1366 وحدة سكنية وأكثر من ثلاثين وجهة رياضية وترفيهية. ويأتي مشروع مطار أبها الدولي الجديد كجزء من هذه الرؤية، حيث يُعاد تصميمه بطاقة تصل إلى ثلاثة عشر مليون مسافر سنوياً وهوية معمارية مستوحاة من التراث العسيري. كما يعمل مشروع «وسط أبها» على إعادة تشكيل قلب المدينة ثقافياً وسياحياً عبر تطوير وادي أبها وتأهيل المباني التاريخية وخلق فضاءات تجارية وثقافية جديدة.
ويمتد التطوير إلى مشروع «أردارا» ومنطقة «الوادي» الممتدة على مساحة 2.5 مليون متر مربع، حيث تتكامل الفنادق والمساحات الخضراء والمسارات الرياضية والمرافق التجارية، فيما يشهد مشروع رجال ألمع التراثي عمليات تطوير لتحويل القصور القديمة إلى فنادق تراثية وتوسيع الساحات الثقافية والمسرح المفتوح، في محاولة لدعم إدراج القرية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. أما مشروع الحبلة فيسعى إلى تحديث التلفريك وبناء منصات مشاهدة زجاجية ومخيمات فاخرة، بالتوازي مع تطوير سياحة المغامرات والهايكنج والطيران الشراعي وسباقات الجبال.
وإذا كانت أبها مدينة الضباب والمرتفعات، فإن الطائف تقدم وجهاً مختلفاً للصيف السعودي. المدينة المعروفة بـ»مدينة الورد» و»مصيف المملكة» تقع على جبال السروات وتتمتع بتاريخ يتجاوز قروناً طويلة، حيث لعبت دوراً تجارياً وثقافياً مهماً منذ ما قبل الإسلام. الطائف مدينة تتجاور فيها الأسواق القديمة مع الحدائق الحديثة، ويختلط فيها عبق الورد بحكايات الشعر والتجارة.
سوق عكاظ يمثل القلب الرمزي لهذه الذاكرة. السوق الذي كان ملتقى للشعراء والتجار في الجاهلية والإسلام عاد في العصر الحديث بوصفه مهرجاناً ثقافياً يحتفي باللغة والشعر والفنون، مستعيداً مكانته كفضاء للحوار الثقافي العربي. حضور عكاظ يمنح الطائف بعداً يتجاوز السياحة الترفيهية، ويجعلها مدينة تتقاطع فيها الذاكرة الأدبية مع التنمية المعاصرة.
وتحتفظ الطائف بطبيعتها الجبلية التي تجعلها وجهة مفضلة في الصيف. جبل الشفا، الواقع جنوب غرب المدينة، يوفر إطلالات واسعة على سلاسل الجبال، ويتيح للزوار تجارب مرتبطة بالمشي وركوب الجمال وعربات الرمل. أما جبل الهدا فيمثل أحد أشهر معالم المدينة، بما يضمه من طرق جبلية ومناظر مطلة على الأودية الممتدة نحو مكة، إضافة إلى أطول تلفريك في المملكة، حيث تتحول الرحلة بين القمم إلى مشهد بصري مفتوح على الطبيعة.
غير أن هوية الطائف ترتبط قبل كل شيء بالورد. أكثر من 900 مزرعة تنتج سنوياً ما يزيد على 960 مليون زهرة من الورد الطائفي الذي تحول إلى علامة سعودية ذات حضور عالمي في صناعة العطور وماء الورد والزيوت العطرية. موسم الورد في الطائف لا يمثل نشاطاً زراعياً فقط، بل احتفالاً ثقافياً واقتصادياً يجذب الزوار والمهتمين بالعطور والحرف المحلية.
وتضم المدينة معالم تاريخية ذات قيمة خاصة، في مقدمتها قصر شبرا الذي بني عام 1905 وكان مقراً لإقامة الملوك قبل أن يتحول إلى متحف يوثق تاريخ المنطقة. كما تحافظ الطائف على حضورها الديني والتاريخي عبر مساجدها القديمة مثل مسجد الصحابي عبدالله بن عباس ومسجد الكوع، وهي مواقع تربط المدينة بعمقها الإسلامي وتضيف إلى المشهد السياحي بعداً روحياً وثقافياً.
وتستقبل الطائف العائلات أيضاً عبر وجهات ترفيهية متعددة مثل ملاهي الحكير تايم والجبل الأخضر وروابي لاند، في صورة تكشف تنوع المنتج السياحي داخل المدينة. هذا التنوع أصبح جزءاً من مشاريع التطوير الجديدة، حيث أعلن صندوق التنمية السياحي عن شراكات لتطوير مشاريع تمتد على أكثر من مئة ألف متر مربع، بالتوازي مع مشاريع بلدية وتنموية تستهدف تعزيز جودة الحياة وتطوير البنية السياحية والخدماتية.
أما الباحة، «لؤلؤة الجنوب»، فتقدم صورة مختلفة للصيف؛ صورة الغابة والهدوء والقرية الحجرية المعلقة فوق الجبل. المنطقة التي تتميز بمناخ معتدل وطبيعة خضراء تبدو أقرب إلى فسحة بيئية تتداخل فيها الجبال بالأودية والضباب بالزراعة والتراث.
غابة رغدان تمثل أشهر معالم الباحة وأكثرها حضوراً في الذاكرة السياحية. الغابة المكسوة بأشجار العرعر والزيتون البري تحتضن مسارات للمشي ومناطق للتخييم ومنتزهات عائلية، لتقدم نموذجاً لطبيعة تحتفظ بعفويتها رغم التطوير السياحي المتزايد. وإلى جانب رغدان تقف قرية ذي عين التراثية كواحدة من أجمل القرى الحجرية في المملكة، ببيوتها المشيدة فوق جبل والتي يعود تاريخها إلى نهاية القرن العاشر الهجري. ذي عين ليست مجرد موقع أثري، بل شهادة حية على مهارة العمارة المحلية وقدرتها على التكيف مع التضاريس القاسية.
ويمنح جبل شدا لعشاق المغامرة فرصة لاكتشاف المرتفعات وتسلق الجبال وتأمل المشهد الطبيعي من زوايا مختلفة، بينما يقدم متنزه الأمير مشاري ووادي بيدة صورة أخرى للطبيعة الزراعية، خصوصاً مع شهرة المنطقة بزراعة الرمان وإقامة مهرجان الرمان الوطني، إلى جانب مشروع إنشاء مدينة للرمان في الوادي بما يعكس القيمة الاقتصادية للمحصول.
وتتحرك الباحة أيضاً باتجاه سياحة المغامرات والاستشفاء، مستفيدة من هدوء المناخ وصفاء الطبيعة وتنوع التضاريس، وهو مسار يتكامل مع رؤية السعودية 2030 التي تركز على السياحة المستدامة والحفاظ على البيئة والتراث بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والخدمات.
في هذه المدن الثلاث تتشكل ملامح صيف سعودي جديد. أبها تقدم تجربة الجبل والضباب والمشاريع الكبرى، والطائف تمنح زوارها تاريخ الأسواق وعبق الورد وطرق المرتفعات، فيما تأخذ الباحة ضيوفها إلى الغابة والقرية والحياة الهادئة. وبين هذه العوالم تتجسد رؤية سياحية أوسع ترى في الجغرافيا السعودية ثروة قابلة للاكتشاف وإعادة التقديم للعالم.
لهذا تحولت أبها والطائف والباحة إلى مختبر حي لفكرة السياحة السعودية الحديثة؛ سياحة تجمع بين التراث والتنمية والطبيعة والاستثمار، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان في زمن تتجه فيه المملكة إلى تنويع اقتصادها وبناء حضور عالمي جديد. وفي قلب هذا المشهد تقف الجبال شاهدة على تحول كبير، حيث يصعد الصيف السعودي إلى مرتفعاته العالية ويكتب لنفسه سردية مختلفة، أكثر خضرة واتساعاً ودهشة.