أحمد الأسمري
في السادس والعشرين من سبتمبر 1962، حمل اليمنيون حلماً أكبر من إسقاط حكم الإمامة. أرادوا جمهورية حديثة تفتح أبواب المدارس والمستشفيات والمصانع، وتساوي بين الناس، وتنقل البلاد من العزلة والانكفاء إلى روح العصر.
مضت أكثر من ستة عقود، وبقي الحلم يصارع كي يتحول إلى دولة حقيقية.. تعاقبت الانقلابات والحروب، وتنازعت اليمن مشاريع الحكم والنفوذ، وانقسمت الأرض ثم توحدت، قبل أن تعود إليها الفوضى من أبواب جديدة. أحزاب تتقاتل، وفصائل تحمل خرائطها الخاصة، وقوى خارجية تتعامل مع البلاد بوصفها ساحة نفوذ، ومليشيا حوثية أعادت الإمامة بقناع جمهوري، وصادرت العاصمة والبشر والحجر وقرار الحرب والسلام.
لهذا يحمل إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي استئناف تصدير النفط معنى يتجاوز العائدات المالية. فالمسألة تتصل بحق الدولة في إدارة ثروتها، ودفع الرواتب، وتحسين الخدمات، ورفض أن يبقى اقتصاد اليمن خاضعاً لابتزاز الحوثي أو مشيئة طهران.
إنها محاولة لإعادة الدولة إلى المشهد، بعدما اعتاد العالم رؤية اليمن من خلال المليشيات والجبهات والمساعدات الإنسانية.
واليمني، ذلك العربي الأصيل، الذكي بالفطرة، لا يستحق أن يبقى مواطناً في بلد تتقاسمه الجماعات. يستحق وطناً واحداً، وعدالة لا تسأل عن منطقته أو قبيلته أو مذهبه، وتنمية تصل إلى صنعاء وعدن وتعز وحضرموت وصعدة والمهرة، ودولة تحتكر السلاح وتحمي الثروة وتعيد للإنسان كرامته.
وفي هذا الطريق الطويل، ظلت السعودية الأكثر إدراكاً بأن أمنها واستقرار المنطقة لا يتحققان بيمن ممزق. تعاملت مع جمهوريتي الشمال والجنوب، وتحملت التقلبات، ومدّت يد الدعم السخي في مختلف الظروف. وحين تحققت الوحدة عام 1990، كان الملك فهد في مقدمة المباركين، ثم جاءت معاهدة جدة عام 2000 لتطوي ملف الحدود وتدفع العلاقة نحو شراكة أوثق تجلت في التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب.
وعندما دخل اليمن أزمة عام 2011، قادت المملكة مع دول الخليج مبادرة لنقل السلطة سلمياً. وبعد انقلاب الحوثيين واجتياحهم صنعاء في سبتمبر 2014، وقفت إلى جانب الشرعية في مواجهة مشروع تحويل البلاد إلى قاعدة إيرانية على ثغورها الجنوبية.
ومنذ ذلك الوقت، لم يكن الدور السعودي عسكرياً وحده؛ فقد دعمت المملكة البنك المركزي والعملة والوقود والخدمات والإعمار، ودفعت نحو المصالحة وجمع القوى اليمنية تحت سقف الدولة. وكلما حاولت فصائل فرض التقسيم أو إنشاء سلطات موازية، عملت الرياض على احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حدود جديدة.
لم تكن المهمة سهلة. فهناك من أراد اليمن تابعاً، ومن أراده مقسماً، ومن وجد في الفوضى تجارة ونفوذاً. لكن الموقف السعودي بقي ثابتاً: يمن آمن، موحد، عربي، يملك قراره، ولا تتحكم في مستقبله مليشيا أو جماعة انفصالية أو قوة خارجية.
استعادة الدولة لا تبدأ بإعلان سياسي وحده، بل بميناء يعمل، ونفط يصدر، وراتب يصل، ومدرسة تفتح، وقضاء يحكم، وسلاح يعود إلى المؤسسة الوطنية.
لقد أُكره اليمن طويلاً على شرور الانقلابات والانقسام والمليشيا العميلة لإيران، ودفع من دم أبنائه ومستقبلهم أثماناً باهظة.. آن له أن يستعيد ذاته في دولة السيادة والعدالة والمساواة.