عبد العزيز الموسى
لماذا تنجح بعض الدول في بناء مجتمعٍ متماسك، ودولةٍ قوية، ومؤسساتٍ مستقلة، بينما تنتهي مجتمعات أخرى إلى هيمنة التنظيمات والأيديولوجيات على المجال العام؟ لا يكمن الجواب في اختلاف الأديان أو الثقافات، بقدر ما يكمن في اختلاف التصور للدولة، وللمجتمع، وللإنسان نفسه.
ومن هنا يمكن فهم إحدى الإشكاليات الكبرى التي صاحبت الإسلام السياسي منذ نشأته الحديثة؛ إذ لم يكن خلاف كثير من تياراته مع الدولة الوطنية خلافًا على السلطة وحدها، بل على من يملك تشكيل المجال العام وصناعة الوعي وتوجيه المجتمع.
ولعل أول ما ينبغي تقريره أن الإسلام السياسي ليس مرادفًا لحضور الدين في الحياة العامة، ولا هو مجرد مشاركة متدينين في العمل السياسي. فالدين ظل حاضرًا في حياة المسلمين عبر قرون طويلة دون أن يعرفوا هذا المصطلح. أما كثير من تيارات الإسلام السياسي، ولا سيما تلك التي تجعل التنظيم محور مشروعها، فتميل إلى تحويل الدين إلى برنامج أيديولوجي شامل لإدارة الدولة والمجتمع، وتمنح التنظيم دور الوسيط بين النص والواقع، حتى يغدو الاجتهاد السياسي أقرب إلى المرجعية الملزمة منه إلى الرأي البشري القابل للنقد والمراجعة.
ولا يقصد هذا المقال أن جميع الحركات التي تُصنف ضمن الإسلام السياسي سواءٌ في أفكارها أو ممارساتها؛ فبينها تباينات معروفة، إلا أن المقال يناقش السمات التي تكررت في أبرز تجاربها التاريخية، وهي السمات التي أثارت الجدل حول علاقتها بالدولة الوطنية والمجتمع.
وقد نشأت أبرز تيارات الإسلام السياسي الحديثة في سياق تاريخي اتسم بانهيار السلطنة العثمانية، وصعود الدولة الوطنية، مع اتساع النفوذ الاستعماري، فطرحت نفسها مشروعًا لاستعادة الدور الحضاري للإسلام. غير أن المشكلة لم تكن في استدعاء الدين إلى المجال العام، بل في الخلط بين قداسة الوحي وبشرية الاجتهاد، وبين الدين بوصفه رسالة هداية، والتنظيم بوصفه أداة للعمل السياسي. ومن هنا بدأ انتقال الولاء، في عدد من التجارب، من المبادئ إلى التنظيم، ومن الأمة إلى الجماعة، ومن المقاصد الكلية إلى البرامج الحركية.
ولا تكمن خطورة هذا التحول في نتائجه السياسية فحسب، بل في بنيته الفكرية. وتكشف تجارب الأيديولوجيات المغلقة، على اختلاف مرجعياتها، ميلًا إلى احتكار ثلاثة مجالات رئيسة: الشرعية، والوعي، والمجال العام. وقد برزت هذه السمات، بدرجات متفاوتة، في كثير من تجارب الإسلام السياسي.
أما احتكار الشرعية، فيظهر عندما يُقدَّم الاجتهاد السياسي باعتباره التعبير الصحيح عن الدين، فيصبح نقد المشروع التنظيمي أقرب إلى الطعن في المرجعية الدينية، لا لأن الدين يفرض ذلك، بل لأن التنظيم يضفي على نفسه سلطة رمزية تتجاوز حدوده البشرية. وعندها تضيق مساحة المراجعة، ويصبح الاعتراف بالخطأ أصعب من الاستمرار فيه، لأن التراجع لا يُفهم باعتباره تصحيحًا للاجتهاد، بل تنازلًا عن المشروع.
وأما احتكار الوعي، فهو أخطر من احتكار السلطة؛ لأن السلطة قد تتغير، أما الوعي فإذا خضع لمرجعية واحدة، أصبح تغيير السلطة قليل الأثر. ولهذا تحرص الحركات ذات الطابع الأيديولوجي، بدرجات متفاوتة، على توسيع حضورها في التعليم، والإعلام، والثقافة، والعمل الاجتماعي، والخطاب الديني، لأنها تدرك أن المستقبل يُصنع في العقول قبل أن يُصنع في مؤسسات الحكم. ومن هنا يمكن تفسير حساسيتها تجاه كل مؤسسة مستقلة تنتج معرفة أو رأيًا أو مبادرة خارج إطارها.
ثم يأتي احتكار المجال العام، وهو النتيجة الطبيعية لما سبقه. فالمجال العام ليس مجرد فضاء للنقاش، بل هو البيئة التي تتشكل فيها النخب، وتنمو فيها المبادرات، وتُبنى فيها الثقة بين الدولة والمجتمع. وكلما تعددت المؤسسات المستقلة، وتوزعت مراكز التأثير، ازدادت قدرة المجتمع على تصحيح أخطائه، وتراجعت فرص الاحتكار. أما حين يُختزل المجال العام في تنظيم واحد، فإن المجتمع يفقد أحد أهم شروط حيويته، وهو التنوع.
ولهذا شهدت بعض تجارب الإسلام السياسي توترًا مع الجامعات، أو المثقفين، أو المؤسسات المهنية، أو المبادرات المجتمعية، أو الفنون والآداب، لا لوجود هذه المجالات في ذاتها، وإنما لاستقلالها عن المرجعية التنظيمية. فالمشكلة ليست في وجود جامعة، بل في جامعة تُعلّم التفكير النقدي، وليست في وجود إعلام، بل في إعلام لا يخضع للتعبئة، وليست في وجود مؤسسات مجتمعية، بل في مؤسسات تكتسب مشروعيتها من خدمة المجتمع لا من الانتماء إلى تنظيم.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الدولة الوطنية والتنظيم الأيديولوجي. فالدولة لا تُبنى على وحدة الأفكار، بل على وحدة النظام العام، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية. وهي لا تطلب من مواطنيها أن يكونوا نسخة واحدة، وإنما أن يجتمعوا على احترام المؤسسات والانتماء للوطن. أما التنظيم الأيديولوجي، ولا سيما إذا اتخذ طابعًا شموليًا، فإنه يقيس نجاحه بمدى اقتراب المجتمع من نموذجه الفكري، ولذلك ينظر إلى التعدد بوصفه تحديًا ينبغي احتواؤه إن لم يمكن القضاء عليه، لا ثراءً ينبغي استثماره.
وهذا يقود إلى فارق أعمق؛ فكل مشروع حضاري يبدأ ببناء الإنسان، أما المشروع الأيديولوجي فيبدأ ببناء التنظيم. الإنسان هو غاية الدولة الحديثة، والتنظيم هو غاية الأيديولوجيا. ولهذا تستثمر الدولة في التعليم، والبحث العلمي، والثقافة، والاقتصاد، وتمكين المجتمع، لأنها تريد مواطنًا يمتلك القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية. أما التنظيم فيستثمر أولًا في التعبئة والانضباط، لأنه يريد تابعًا يلتزم بخطه الفكري قبل أي شيء آخر. وبين المواطن والتابع تتحدد المسافة بين الدولة والأيديولوجيا.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثير من التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم. فجوهر المشروع الوطني لا يقوم على القطيعة مع الهوية، بل على ترسيخها في إطار دولة قوية، ومجتمع فاعل، وإنسان مؤهل للمنافسة والإبداع. ولذلك جاء الاهتمام بالتعليم، والثقافة، والقطاع غير الربحي، وريادة الأعمال، وتمكين الشباب والمرأة، بوصفهم مكونات لمشروع واحد يوسع المشاركة، ويعزز الانتماء، ويبني مجتمعًا أكثر قدرة على مواجهة الانغلاق والتطرف، لا بالشعارات، بل بالوعي والمؤسسات.
إن معركة المستقبل ليست بين الدين والدولة، ولا بين الهوية والتطوير، بل بين مشروع يجعل الإنسان محور البناء، ومشروع يجعل التنظيم محور الولاء. وقد أثبت التاريخ أن الأوطان لا تنهض حين تنتصر جماعة على أخرى، وإنما حين ينتصر الوطن على الانقسام، وينتصر الإنسان على الوصاية، وينتصر العقل على الأيديولوجيا. فالدين يبقى أسمى من أن يُختزل في مشروع سياسي، والوطن أوسع من أن تحتكره جماعة، والمجتمع أقوى من أن يُدار بعقل واحد. ومن هنا تبدأ النهضة، ومن هنا أيضًا تسقط كل محاولة لاحتكار المجال العام باسم أي فكرة، مهما كانت شعاراتها.