د. عبدالمحسن الرحيمي
قبل سنوات، كان هذا السؤال يبدو أقرب إلى تأمل فلسفي منه إلى قضية تستحق أن تنشغل بها الحكومات أو كبرى المؤسسات الاقتصادية. أما اليوم، وبعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في إنتاج المعرفة، وابتكار الحلول، وأداء مهام كانت حتى وقت قريب حكرًا على الإنسان، فقد أصبح السؤال جزءًا من نقاش عالمي يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن ومستقبل التنمية. وعندما يتحدث إيلون ماسك عن احتمال أن يتراجع الدور التقليدي للمال في عالم تتولى فيه الآلات جانبًا متزايدًا من الإنتاج، فإن أهمية حديثه لا تكمن في صحة هذا التوقع أو خطئه، بل في أنه يدفعنا إلى مواجهة سؤال أكثر عمقًا: هل نستعد فعلًا لعالم تتغير فيه قواعد القوة قبل أن تتغير مظاهرها؟
هذه هي القضية الحقيقية. فما يشهده العالم اليوم ليس مجرد طفرة تقنية جديدة، بل تحول هادئ يعيد ترتيب مصادر النفوذ، ويغيّر المعايير التي ستقاس بها المكانة الاقتصادية والسياسية خلال العقود المقبلة. وكما لم تكن الثروة الزراعية، ثم السيطرة على التجارة، ثم الثورة الصناعية، ثم الطاقة، مجرد موارد اقتصادية، بل أدوات لإعادة تشكيل ميزان القوة العالمي، فإن المعرفة والتقنية تبدوان اليوم في طريقهما إلى لعب الدور نفسه.
والتاريخ لا يعاقب من يفتقر إلى الموارد بقدر ما يعاقب من يسيء قراءة لحظة التحول. فقد امتلكت إمبراطوريات الذهب والأساطيل، لكنها تراجعت عندما أصرت على إدارة المستقبل بأدوات الماضي، بينما صعدت أمم لم تكن الأغنى لأنها أدركت مبكرًا أن مصادر القوة تتغير قبل أن تتغير خرائطها. ولهذا لم يكن بقاء الدول الكبرى مرهونًا بما تملكه من ثروات فحسب، بل بقدرتها على إعادة تعريف عناصر قوتها كلما دخل العالم مرحلة جديدة.
ولعل ما يميز المرحلة الراهنة أن التحول لا يجري في قطاع بعينه، بل يمس البنية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي بأكمله. فلم تعد القوة تُقاس بحجم الناتج المحلي أو بوفرة الموارد الطبيعية فقط، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة، واستيعاب التقنيات الجديدة، وتحويلها إلى ابتكار، ثم إلى قيمة اقتصادية ونفوذ استراتيجي. ولهذا لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتقنيات الحيوية، والحوسبة الكمية، والطاقة النظيفة، والفضاء، سباقًا على صناعات المستقبل بقدر ما أصبح سباقًا على رسم خريطة القوة في المستقبل.
وتكفي قراءة المشهد الدولي لرؤية ملامح هذا التحول. فالولايات المتحدة تعيد توجيه استثمارات ضخمة نحو الصناعات التقنية المتقدمة، والصين تواصل توسيع حضورها في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الدقيقة، بينما تعيد اقتصادات كبرى في آسيا وأوروبا مراجعة سياساتها الصناعية، إدراكًا منها أن المنافسة المقبلة لن تُحسم بما تمتلكه الدول من موارد، بل بما تستطيع إنتاجه من معرفة وما تملكه من قدرة على الابتكار.
ولا يقتصر الأمر على الحكومات؛ فالشركات العالمية تعيد رسم خرائط استثماراتها، وتنقل مصانعها ومراكز أبحاثها، وتعيد بناء سلاسل الإمداد وفق اعتبارات إستراتيجية لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة. كما أصبحت المنافسة على استقطاب العلماء والباحثين والمهندسين أكثر حدة من أي وقت مضى، في مؤشر واضح على أن رأس المال البشري أصبح أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو القوة المالية.
وفي الوقت نفسه، أخذت العلاقات الدولية تعكس هذا التحول. فلم تعد الاتفاقيات الكبرى تدور حول التجارة والرسوم الجمركية وحدها، بل امتدت إلى البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والمعايير التقنية، وسلاسل الإمداد، بما يكشف أن العالم لا يعيد ترتيب أسواقه فحسب، بل يعيد ترتيب مصادر نفوذه أيضًا.
ومع ذلك، تبقى مفارقة تستحق التأمل. فكلما ازدادت قدرة العالم على جمع البيانات وتحليلها، ازدادت الأحداث التي توصف بأنها مفاجآت. ولم تكن جائحة كورونا، ولا الاندفاع المتسارع للذكاء الاصطناعي، ولا اضطرابات سلاسل الإمداد، أحداثًا بلا إشارات مسبقة؛ فقد سبقتها مؤشرات ودراسات وتحذيرات، لكن المشكلة لم تكن يومًا في نقص المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى استعداد، وتحويل الرؤية إلى قرار قبل أن يفرض الواقع إيقاعه.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يشغل صناع القرار أكثر من أي سؤال آخر: إذا كانت المؤشرات متاحة، والمعلومات متوافرة، والخبرات متراكمة، فلماذا بقيت المفاجآت تتكرر؟
لأن معظم الاهتمام انصرف إلى محاولة معرفة ما الذي سيحدث، بينما بقي السؤال الأكثر أهمية مؤجلًا: ماذا ينبغي أن نبني قبل أن يحدث؟ فالمعلومات أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن امتلاكها لم يعد يصنع الفارق. الفارق الحقيقي يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى قرار، والقرار إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى قدرة على التعامل مع أكثر من احتمال في الوقت نفسه. فالمستقبل لا يلتزم بالسيناريوهات التي نكتبها، لكنه يكافئ دائمًا من يمتلك الجاهزية للتعامل مع ما لم يكن في الحسبان.
وعندما يصبح الاستعداد للمستقبل مصدرًا للقوة، يتراجع السؤال التقليدي: ماذا نملك؟ ليحل محله سؤال أكثر تأثيرًا: كيف نبني القدرة على التعامل مع ما لم يحدث بعد؟ وهنا تبرز قيمة التجارب التي لم تنتظر اكتمال التحولات العالمية، بل بدأت في إعادة تشكيل أدواتها بالتوازي معها.
ولعل التجربة السعودية تقدم مثالًا عمليًا على هذا النوع من التفكير. فعندما أطلقت المملكة رؤية 2030، لم تكن تستجيب لتحديات قائمة فحسب، بل كانت تبني جاهزية وطنية لتحولات لم تكتمل ملامحها بعد. ولهذا جاءت برامج التنويع الاقتصادي، وتمكين الإنسان، والتحول الرقمي، وتطوير البيئة التشريعية، بوصفها أجزاءً من مشروع استراتيجي واحد، لا مبادرات متفرقة.
ولعل ما يمنح هذه التجربة أهميتها أنها لم تنتظر حتى تستقر ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد، بل بدأت في إعادة بناء أدواتها بالتزامن مع تشكله. فالتاريخ يبين أن الدول التي تكتفي بمتابعة التحولات تجد نفسها مضطرة إلى التكيف معها، أما الدول التي تستعد لها مبكرًا، فإنها تمتلك فرصة المشاركة في رسمها والتأثير في اتجاهها.
ومن هنا لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: من يستطيع أن يتنبأ بالغد؟ بل من يستطيع أن يبني اليوم ما يجعله أكثر استعدادًا لأي غدٍ ممكن.
وربما آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة التنبؤ بالمستقبل إلى ثقافة الاستعداد له. وذلك، في تقديري، هو جوهر ما يمكن أن نطلق عليه الهندسة الاستشرافية.
قد يثبت الزمن صحة إيلون ماسك، وقد يثبت العكس، لكن القيمة الحقيقية في حديثه أنه أعاد طرح السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن صناع القرار: كيف نبني اليوم ما يجعلنا أكثر استعدادًا للغد؟
فالمستقبل لا يُنتظر... بل يُبنى.