باسم سلامة القليطي
ما الذي يجمع بين أوديسيوس العائد من رحلته الطويلة، والسندباد الذي يواجه البحار المجهولة، وأبطال الحكايات الشعبية الذين يخرجون من قراهم ليعودوا أكثر حكمة؟ ليست اللغة، ولا الجغرافيا، ولا الزمن. الذي يجمعهم أنهم يسيرون في الرحلة نفسها.
ومنذ آلاف السنين، يروي الإنسان القصة ذاتها بأسماء مختلفة، كأنه كلما تغيّر المكان، بقي القلب البشري على حاله. ولعل هذا ما يدعونا إلى إعادة النظر في الأساطير والحكايات الشعبية؛ فهي ليست خرافات نسجها الخيال للتسلية، بل شفرات أودعت فيها البشرية خبرتها الطويلة، ورسائل كتبتها الأجيال لمن يأتي بعدها. فقبل أن يدوّن الإنسان الفلسفة، كان يروي الحكايات، وقبل أن يصوغ نظرياته عن النفس، كان قد أودع أسرارها في الأسطورة.
ولهذا لا ينبغي أن تُقرأ الأسطورة كما تُقرأ كتب التاريخ، لأنها لا تسأل: ماذا حدث؟ بل تسأل: ماذا يحدث للإنسان كلما واجه الخوف، أو الفقد، أو الإغراء، أو المجهول؟ لقد أدرك الأسلاف أن الحكمة المجردة سريعة النسيان، أما الحكمة إذا لبست ثوب الحكاية فإنها تعيش قروناً. فجعلوا الشر تنيناً، والجهل ظلاماً، والرجاء نوراً، والطريق الشاق صورة للحياة نفسها. ولم يكن مقصدهم أن يقنعوا الناس بوجود التنانين، بل أن يقولوا لكل إنسان: سيأتي يوم تواجه فيه تنينك الخاص، ولن تنتصر عليه إلا إذا عرفت أنه يسكن داخلك قبل أن يقف في طريقك. وهكذا تحولت الرموز إلى لغة عالمية، يفهمها القلب قبل العقل.
ولعل «كليلة ودمنة» خير دليل على أن الحكايات لم تُخلق للتسلية، بل لحفظ الحكمة. فقد أدرك ابن المقفع أن بعض الحقائق تعيش أطول إذا خرجت في ثوب قصة، فجعل الحيوانات تتحدث، لا ليقنع قارئه بأن الأسود والثعالب والحمام تنطق، بل ليجعل الإنسان يسمع نفسه من خلالها.
كان لتلك الحيوانات وجوه رمزية للبشر، تُخفي وراء حواراتها صِراع السُلطة، وتقلبات النفس، ومكايد الطمع، وفضائل الحكمة. وهكذا استطاع أن يقول بلسان الحيوانات ما قد يصعب قوله بلسان البشر، فصارت الحكاية ستاراً يحمي الحقيقة، وجسراً تعبر به إلى القلوب والعقول. ولذلك لم يبق الكتاب حياً لأكثر من ألف عام لأن القارئ صدّق حكاياته، بل لأنه وجد فيها ما يتكرر في الناس، وإن تغيّرت الأسماء والوجوه.
وليس هذا المعنى مقصوراً على تراثنا العربي، بل هو خيط يمتد عبر ثقافات العالم. فقد لاحظ علماء النفس والأدب المقارن أن الحكايات الكبرى، على اختلاف أوطانها، تعود دائماً إلى أنماط متشابهة: بطل يغادر عالمه المألوف، ويواجه المحن، ويكاد يهلك، ثم يعود أكثر حكمة ونضجاً. وكأن البشرية، رغم اختلاف لغاتها وأزمانها، ظلت تكتب سيرة الإنسان نفسها، لكنها تُبدل الأسماء والملامح في كل مرة. اختلفت الشخصيات، وبقيت الأسئلة الكبرى: من أنا؟ وكيف أواجه خوفي؟ وما الذي يجعل للحياة معنى؟
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الحكايات لا تتشابه في أحداثها فحسب، بل في رموزها أيضاً. فالبحر يكاد يكون دائماً رمزاً للمجهول، والجبل امتحاناً للإرادة، والغابة فضاءً للحيرة، والرحلة بحثاً عن الذات، والعودة بداية جديدة لا مجرد نهاية للطريق. وليس ذلك اتفاقاً بين الشعوب، بل اتفاقاً بين التجارب الإنسانية. فالإنسان، أينما كان، يخاف، ويأمل، ويحب، ويفقد، ثم يحاول أن يمنح ما عاشه معنى يبقى بعده.
ولهذا لم تكن الأساطير مجرد قصص تحفظ ذاكرة الأمم، بل كانت لغة رمزية تترجم ما يعجز الإنسان عن التعبير عنه مباشرة. وربما لهذا السبب ما زالت تلك الرموز حاضرة في الرواية والسينما والمسرح، لأن الإنسان المعاصر، مهما تقدمت أدواته، لا يزال يفكر بالصور والحكايات أكثر مما يظن.
ولذلك لا تمنحنا الحكايات الشعبية معرفة بالماضي فقط، بل تمنحنا منظوراً أوسع للحاضر. إنها تُخرجنا من سجن التجربة الفردية، وتُذكرنا بأن ما نعيشه اليوم ليس استثناءً في تاريخ الإنسان. فالخوف من المستقبل، والبحث عن المعنى، والحنين، والفقد، والرغبة في تجاوز الذات... كلها أسئلة قديمة، وإن تبدلت صورها. وحين نقرأ حكاية عمرها ألف عام، ندرك أن الإنسان سبقنا إلى هذه الحيرة، وترك لنا شيئاً من حكمته بين السطور. عندها لا تصبح الحكاية وسيلة للهروب من الواقع، بل نافذة نطل منها عليه بوضوح أكبر.
ولعل هذا هو السر في بقاء الأساطير حية حتى اليوم. فهي لا تطلب منا أن نصدق أحداثها، بل أن نفهم رموزها. لم يورثنا الأسلاف تلك القصص لنحفظها، بل لنقرأ بها أنفسنا. فكل جيل يعيد تأويل الحكاية، ويكتشف فيها معنى يناسب زمنه، لأن الإنسان يتغير في أدواته، لكنه لا يتغير كثيراً في أسئلته الكبرى. وإذا كان كل واحد منا يكتب قصته الشخصية، فإن البشرية كلها كتبت قصتها في الأساطير والحكايات الشعبية. ولأنها لم تكن تحكي عن الأسلاف بقدر ما كانت تحكي عنا، فما زلنا، بعد آلاف السنين، نقرأ أنفسنا في مرايا حكاياتهم.