د. منى بنت علي الحمود
خلال بعض لقاءاتي واجتماعاتي المتنوعة، وكذلك اطلاعي على بعض وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظت أن من أكثر الأحكام التي تتردد ويتحدث بها البعض عن هذا الانفتاح الثقافي الذي يشهده اليوم وطني الحبيب، المملكة العربية السعودية، وكأنهم يتعاملون مع تحول جديد يشي بقطيعة مع الماضي.
ورغم أن هذا الوصف قد يكون بهدف التعبير عن حجم التحولات التي نعيشها، فإنه قد يوحي، وبدون قصد، بأن المجتمع السعودي كان منغلقًا ثقافيًا طويلا، وأن الفنون والحوارات الفكرية لم تدخل إليه إلا حديثا.
غير أن القراءة الفاحصة للتاريخ الثقافي الفني والأدبي والفكري السعودي تكشف عن حقيقة مختلفة، تؤكد بأن رؤية 2030 إحياء لا قطيعة، جاءت لتوثق أن الثقافة والفنون جزء أصيل من الهوية الوطنية السعودية؛ فالمملكة لم تكن يومًا أرضًا معزولة عن الفنون أو الآداب أو الحراك الفكري بشكل عام،بل كانت هذه المجالات وكأنها جزءًا من نسيجها وحياتها الاجتماعية.
لاتغيب عن ذاكرتي تلك الأعياد السعيدة حقا وما فيها من فنون متنوعة، ولا تلك المناسبات الوطنية الزاخرة ولا التلفاز أو المذياع الذي كان محطة فكرية وفنية في كل منزل، كل ما أتذكره كان بمثابة ثقافة اجتماعية ليست وليدة مناسبة أو حدث بعينه.
«فهذا حنا».. ما نراه اليوم ليس ولادةً لثقافة جديدة، بقدر ماهو استعادة لمسار تاريخي عريق، وإحياء لجانب أصيل من هوية الثقافة السعودية، فلم تبن هذه النهضة الفكرية على فراغ، وإنما استندت إلى إرث ثقافي طويل أعادت الدولة تنظيمه وتطويره وتمكينه بما يتوافق مع عصره.
فمنذ توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، كانت الثقافة ركيزة للبناء فلم يكن مشروع هذه الدولة قائما على السياسة والإدارة فحسب،بل امتد إلى التعليم والثقافة والمعرفة، وازدهرت الصحافة التي شكلت هوية وذاكرة العديد، وانتشرت المجلات المتنوعة مشرعة لذلك الانفتاح الثقافي على الآخر، كما أصبحت المدن السعودية، كمكة المكرمة وجدة والرياض والطائف، على سبيل المثال، ساحات خصبة للمعارك الأدبية والثقافية، وقد لمع الأدب السعودي كصوت مبكر واعي في المشهد العربي فبرز العديد من الشعراء والروائيون والمفكرون من السعوديين والسعوديات الذين تركوا أثرًا واضحًا لا يمحى في الثقافة العربية، أمثال ثريا قابل وحمزة شحاته وسلطانة السديري وغازي القصيبي وبدر بن عبدالمحسن ومحمد الثبيتي، وفوزية أبوخالد. «فهذا حنا». لم تكن الموسيقى والطرب غريبة عن المجتمع السعودي، ففي الحجاز ازدهرت الفنون الحجازية والعرضات والسامري وغيره في نجد وكذلك فنون الغناء والموسيقى والعروض الأدائية المصاحبة لها في شمال وجنوب وشرق المملكة، وظهرت أسماء شكلت الهوية السمعية السعودية كطارق عبدالحكيم وعبدالله المحمد وغيرهم، وطلال مداح، الذي أصبح أيقونة للأغنية السعودية، ومحمد عبده، الذي نقل الأغنية السعودية إلى مساحات عربية واسعة، وعتاب وابتسام لطفي.
كان هناك العديد من الحفلات الغنائية بالنكهة السعودية، والمهرجانات الفنية المحلية كمهرجان الجنادرية الحافل بالفعاليات الثقافية المتعددة، مما يؤكد أن الفنون حاضرة في الذاكرة الوطنية، ولايغيب عن أذهاننا أن نشير إلى حضور الأغنية الشعبية التي تمثلت في الأهازيج والأغاني والقصص وتلبست بالحرف اليدوية وتمظهرات الحياة اليومية السعودية.
لم يكن المجتمع السعودي حديث عهد بالسينما والمسرح، فقد عرف المسرح منتصف القرن العشرين، واحتضنت المدارس والجامعات والأندية الأدبية والجمعيات الثقافية الكثير من العروض المسرحية بهوية وقضايا مجتمعية سعودية.
وظهرت العديد من المسلسلات والأفلام كذلك كان أولها عام 1950م انتجته شركة أرامكو باللغة العربية، وفيلم وجدة (2012)الذي كان أول فيلم سعودي يمثل المملكة في سباق جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وحقق نجاحًا عالميًا واسعًا.
وقد برز العديد من الفنانين والفنانات السعوديين الذين أسهموا في تطوير المسرح والفيلم السعودي، كما كان لمشاركات الفرق المسرحية السعودية في المهرجانات العربية والخليجية حضور بـارز.
فرضت الحركة التشكيلية السعودية نفسها مبكرة وبأحقية «فهذا حنا» ؛حيث ولدت ريشة الكثير من التشكيليين والتشكيليات السعوديين مبكرا والذين تركوا بصمتهم المحلية عالميا، كالفنان عبدالحليم رضوي وصفية بن زقر كمثال، وقد لاقت الجهود التشكيلية رعاية واضحة من الدولة السعودية بافتتاح وتبني المعارض الفنية وتشجيع الفنانين، وبدأ الفنانون السعوديون يشاركون في المحافل الدولية، مقدمين أعمالًا تجمع بين الأصالة المحلية والرؤية المعاصرة.
كانت المملكة العربية السعودية ولاتزال حتى يومنا هذا ملتقى الحضارات وحاضنة للثقافات مما جعل المجتمع السعودي ينمو وهو على تماس دائم مع ثقافات فنية وفكرية متعددة، مما ساهم في تكوين شخصيته الثقافية المعززة للحوار والتعايش الخلاق مع العالم.
فالقارئ المتأني للتاريخ الثقافي السعودي يدرك ذلك الامتداد، الذي لا ننكر أنه اعترضه شيء ما يشبه الاختطاف لكن «الاختطاف لايعني الموت».
فماحدث كان «أشبه بانقطاع مؤقت في الزمن أو تشوه في الذاكرة، وأشبه بشريط لفيلم جميل احترق منه مقطع، فكان سوادا يفصل بين مشهدين جميلين»، لتعود المملكة اليوم إلى هذا الامتداد التاريخي العظيم بثقة أكبر، وإمكانات أوسع، ورؤية معاصرة، تؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا،ولكنها ركيزة بناء الإنسان والدولة، كما بدأت هذه الفكرة على يد الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، الذي أسس لمبدأ أن بناء الإنسان قبل بناء الدولة والمؤسسات. «فهذا حنا».