صالح الشادي
أي وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي للإنسان؟ لقد رفع الله عنه عذر الجهل، وأزال عنه حجة الضلال، فهداه النجدين، وبصَّره بالخير والشر، ثم تركه في ميدان الحياة يواجه مصيره باختياره: إما أن ينهض بحقيقة العبودية فيكون شاكراً، وإما أن يرتد إلى جحوده فيكون كفوراً. ليست الآية مجرد خبر عن طبائع ثابتة، بل هي معراج بصري ينفذ إلى صميم العلاقة بين الروح والنعمة، بين الوجود والمعطي، وهي ميزان دقيق توزن به الأعمار والأمم.
والشكر في حقيقته ليس تطريباً باللسان، ولا حركةً عابرةً للشفتين، بل هو انفعال وجودي تعترف به الجوارح قبل أن تلهج به الألسن، هو أن تعي أن النعمة ليست لك، بل أنت لها؛ فأي نعمة مرت بك فهي أمانة في عنقك، وأي عطاء نزل عليك فهو اختبار لقدرتك على رد الجميل. ولذلك كان الشكر في جوهره استعمالاً للنعمة في مرضاة الواهب، فالعين الشاكرة هي التي تغض عن الحرام، والأذن الشاكرة هي التي تصدى للذكر، والمال الشاكر هو الذي يجري في مجاري الحق، والجسد الشاكر هو الذي يتعب في طاعة الرحمن. إنه منهج حياة لا يعرف الفتور، وثقافة وجود تسبغ على صاحبها طمأنينةً تخرق ضجيج الدنيا.
وأما الكفر. فهو ليس إلحاداً في الذات الإلهية فقط، بل هو جحود للنعمة حين تقبل، ونسيان للمعروف حين يعطى، وتضييع للعطاء حين يودع. الكفران هو أن ترى النعمة ولا ترى المانح، وأن تمتلك القوة وتنسى المقوي، وأن تستخدم العقل وتعطل ذكر من فطره. وفي امتداده الاجتماعي، هو نكران لأيادي الخلق كما هو نكران لرب الخلق، هو أن تنسب النجاح إلى ذكائك وحدك، وتنسى من ساندك، وتتناسى من فتح لك الأبواب، بل أن تطأ بقدمك يداً أخرجتك من ظلمات الجهل إلى نور العلم.
أما حين ننقل هذه المعاني الكونية إلى واقعنا الاجتماعي، فإننا نلمس سر بقاء الأمم وانهيارها. المجتمعات الشاكرة هي التي تعرف كيف تقدر كفاح أبنائها، وكيف تصون جهد العامل، وكيف ترفع قدر المعلم والطبيب والقاضي، لا لأن ذلك مجاملة، بل لأنه واجب وجودي يعكس نظرة الجماعة إلى ذاتها. حين ينتشر الشكر بين الناس، يصير العطاء أسهل، وتصير العلاقات أنقى، وتفتح أبواب الثقة، وتنهمر البركات التي وعد بها الباري: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ). وهذه الزيادة ليست أرقاماً في الميزان فقط، بل هي اتساع في الصدر، ونماء في العطاء، وتلاحم في النسيج الاجتماعي لا تخترقه رياح الفتن.
وفي مقابل ذلك، حين يتغلغل الكفران - بمعناه الجاحد للنعم - في عروق المجتمع، تصير البذلة عاراً، والإحسان ديناً ثقيلاً، ويفقد الجميع الإحساس بالجميل، فلا تكاد تجد يداً تمد يداً، ولا قلباً يحن إلى قلب، بل تنقلب الحياة إلى غابة يتنافس فيها الجميع على الأثر ولا يلتفت أحد إلى الأثر. الأمم التي تنسى فضل مؤسسيها، التي تجحد دماء شهدائها، التي تمتهن إنجازات علمائها، سرعان ما تفقد هويتها وتنهار كزجاجة ألقيت من شاهق، لأن الكفران يقطع جذور الانتماء ويذر النفوس في مهب الفراغ.
إن الآية التي افتتحت بها حديثنا ليست فقط وعيداً دينياً، بل هي قانون كوني واجتماعي في آن واحد. إنها تقول للإنسان: إن هدايتك للطريق لم تجعل منك كائناً مبرمجاً، بل جعلتك حراً مسؤولاً، وكل حركة في جسد المجتمع إن لم تكن شكراً فهي كفر، وكل علاقة إنسانية إن لم تبن على تقدير الجميل فهي علاقة واهية مصيرها الزوال. والإنسان حين يشكر، إنما يشكر نفسه أولاً، لأن الشكر يطهر قلبه من داء الحقد والحسد، ويفتح مدارك عقله على جمال الوجود. وحين يكفر، فإنما يظلم نفسه، لأن الكفران يحجب عنه نور النعم الكثيرة التي تحيط به من كل جانب.
إذا تأملت أحوال الناس، وجدت أن أبرز سمات الناجحين السعداء هي شكرهم العميق لله ثم للحياة والناس ، بينما أبرز سمات التعساء هي التذمر الدائم والجحود المتصل. الشكر يمنح الإنسان عيناً ثالثةً يرى بها الجمال حيث يراه الآخرون قبحاً، ويرى بها العطاء حيث يراه الجاحدون حرماناً. ولذلك، فإن الدعوة للشكر ليست وصايةً أخلاقيةً، بل هي رحلة إنقاذ للنفس البشرية من مستنقع العدمية والجفاء.
فأي الطريقين نسلك، وأي العاقبتين نرجو؟ إن السبيل واضح كوضوح الشمس في كبد السماء، والاختيار متروك لإرادتنا نحن، لكن العاقبة محسومة بعلم الله: الشاكرون لهم زيادة النعم ورفعة الدرجات، والكافرون لهم سوء العذاب في الدنيا قبل الآخرة، حيث يكون جزاء الجحود زوال النعم وتشتيت الشمل ووحشة القلوب. اللهم اجعلنا من الشاكرين الذاكرين، الذين يستعملون نعمك في طاعتك، ويؤدون حقها بشكرك وحمدك، إنك سميع الدعاء.