نجلاء العتيبي
ليس أثقل ما يحملُهُ الإنسان ما فوق كتفيه، وإنما ما يحملُهُ في ذهنه قبل أن يحدث، وكثيرٌ من العمر يضيعُ في انتظار الوقائع أكثر مما يضيع في الوقائع نفسها.
متى كانت آخر مرة عشت يومًا كاملًا دون أن تنشغل بما قد يحدث غدًا؟
قد يبدو السؤال شخصيًّا، لكنه يمسُّ معظم الناس أكثر مما يظنون، وخلال سنوات قليلة أصبح القلق حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية على نحوٍ لافتٍ، حتى غدا كثيرون يعيشون في الغد قبل أن يكتمل اليوم.
وتُشير دراسة نُشرت في مجلة Behaviour Research and Therapy إلى أن تدريب الإنسان على الالتفات الواعي إلى اللحظات الإيجابية وتذوُّقها يُسهم في خفض مستويات القلق، ويزيد الشعور بالرضا عن الحياة، ولعل هذه النتيجة تفسر جانبًا مما نفتقده؛ إذ اعتدنا توجيه أبصارنا إلى ما ينقُصُ، حتى بهتت أمامنا قيمة ما نملكه بالفعل.
القلق في أصله وظيفة نافعة؛ فهو يدعو إلى الاستعداد، ويمنح الإنسان يقظةً تحميه من التهاون، غير أن شيئًا تغيَّر في السنوات الأخيرة، حتى أصبح التفكير المفرط عند كثيرين أسلوبًا دائمًا، لا يرتبط بموقف محدد، وإنما يرافق تفاصيل الأيام كلها، يرهق الإنسان نفسه بتحليل احتمالات بعيدة، ويُعيد رسم المشهد مراتٍ لا تحصى، كأن كثرة التفكير تمنح المستقبل شكلًا أكثر أمانًا. تضخَّمت المسؤوليات، وتسارَعَ إيقاع الحياة، وتدفَّقت الأخبار دون توقُّف، واتَّسعت دوائر المقارنة، فأصبح العقل يعمل بلا هُدنةٍ، وكلما انتهى من أمر، صنع أمرًا آخر، حتى صار الهدوء حالة نادرة، وأصبح الانشغال يبدو وكأنه الصورة الطبيعية للحياة.
ومن طبائع القلق أنه لا يكتفي بما هو موجود، بل يُضيف إليه ما يتخيَّله، فكرة صغيرة تتحوَّل إلى سلسلة طويلة من التوقُّعات، واحتمال بعيد يلبس ثوب الحقيقة قبل أن يقترب موعده، تمضي الساعات في حوار مع أحداث لم تقع، وربما لن تقعَ، بينما يمُرُّ اليوم بهدوء، منتظرًا مَن يلتفت إليه.
ولو عاد كلُّ واحد منا إلى سنواتٍ مضت، لتذكَّر مخاوف كانت تملأ قلبه، ثم انطفأت دون أثرٍ، بعضها لم يحدث، وبعضها جاء أخفَّ كثيرًا مما رسمه الخيال، وبعضها انتهى بسرعة لم يكن يتوقَّعها، وحدها الأيام التي استهلكها القلق لم تعد؛ لأنها مضت مع الزمن، تاركة وراءها سؤالًا صامتًا: هل كان كل ذلك العناء يستحقُّ؟
ربما كان اسم الدنيا كافيًا ليُذكّرنا بأنها لا تعرف الثبات؛ فهي تتبدَّل كما تتبدَّل الفصول، ولا تمنح أحدًا وعدًا دائمًا، ومن ينتظر منها صفاءً لا ينقطع سيقضي عمره في ملاحقة صورة لا وجود لها، فالحياة ليست ناقصة لأنها تتغيَّر، وإنما نحن الذين نتعب حين نطلب منها أكثر مما تحتمل.
وحولنا نِعَمٌ تؤدي دورها في صمتٍ حتى ألفنا وجودها، صباح يبدأ بصحةٍ، وكوب ماء يطُفئ العطش، وصوت قريب يطمئن علينا، وكتاب يُوقظ فكرة، ووقت يسودُهُ السكون، هذه التفاصيل لا تصنع ضجيجًا، ولهذا تمُرُّ أحيانًا دون أن نشعُرَ بقيمتها، مع أنها تُشكّل الجانب الأجمل من الحياة.
الغريب أننا نُؤجّل الالتفات إليها، نربط راحتنا بموعدٍ لم يأتِ، ونُؤجّل الفرح حتى تكتمل الظروف، ونظُنُّ أن الطمأنينة محطة مؤجَّلة بعد انتهاء المسؤوليات، تمضي مرحلة، ثم تبدأ أخرى، ويبقى التأجيل قائمًا، حتى يكتشف الإنسان أن ما كان يُؤجّله طوال الوقت لم يكن مشروعًا ولا رحلةً، وإنما حياته نفسها.
ليس كل ما يشغل الفكر يستحقُّ أن يقيم في القلب، وبعض الأمور يكفيها قرار واضح، ثم تمضي في طريقها، أما العقل الذي يراجع كل احتمال مرة بعد أخرى فإنه لا يزداد اطمئنانًا، وإنما يزداد تعبًا.
إنَّ لكل يوم نصيبًا من الحياة، ومن الظلم أن نسلبه حضوره بسبب خوفٍ لم يولد بعدُ، فاللحظة التي لا نعيشها اليوم لن يُعيدها الغد، والنعمة التي لا ننتبه إليها وهي بين أيدينا قد لا نُدرك قيمتها إلا بعد غيابها.
أجمل ما يصل إليه الإنسان أن يؤدي ما عليه بإخلاصٍ، ثم يفسح في قلبه مكانًا للسكينة؛ فالعمر لا تسرقه الأعوام وحدها، وإنما يسرقه أيضًا الإفراط في انتظار ما قد لا يأتي، وعندما نفهم ذلك، سنكتشف أن الحياة لم تكن بعيدة عنا يومًا، نحن فقط كنا نُؤجّلها.
ضوء:
«الحياة بسيطة حقًّا، لكننا نُصِرُّ على جعلها مُعقَّدةً». - كونفوشيوس.