حذامي محجوب
في قاعة انتظار بأحد المطارات الدولية، أراقب المشهد أكثر مما أنظر الى لوحة مواعيد الرحلات.
مئات المسافرين من جنسيات مختلفة، يجلسون على مقاعد متجاورة، لكن كل واحد منهم يعيش في جزيرته المعزولة.
لا أحد نظر إلى الآخر، لا أحد راقب الطائرات وهي تقلع وتحط، حتى الطفل الذي كان يركض بين المقاعد لم يستطع انتزاع انتباه والديه.
الجميع كانت رؤوسهم منحنية، أصابعهم تتحرك بإيقاع واحد فوق شاشات صغيرة.
ابتسمت وأنا أتخيل مؤرخا يأتي بعد مائة عام ليكتب عن حضارتنا.
ربما سيقول إن البشر في بدايات القرن الحادي والعشرين كانوا يمارسون طقوسا غريبة، ينحنون لساعات طويلة أمام مستطيل مضيء يحمل سلطة لا ينازعها فيهم أحد.
لعل أغرب ما في المشهد أن الإنسان، منذ أن عرف نفسه، كان يرفع رأسه كلما أراد أن يفهم العالم.
رفعه إلى السماء ليراقب النجوم، وإلى الجبال ليتحدى الطبيعة، وإلى البحر ليبحث عن المجهول، وإلى وجوه الناس ليقرأ مشاعرهم.
أما اليوم فقد أصبح هذا الانسان ينحني برأسه، لا ليتأمل الأرض، بل ليتابع إشعارا جديدا، أو مقطعا لا يتجاوز ثلاثين ثانية، أو جدلا سينتهي بعد ساعات ليبدأ جدل آخر.
قد تبدو هذه مجرد ملاحظة عابرة، لكنها في الحقيقة واحدة من أكبر التحولات الحضارية في تاريخ الإنسان. لأول مرة منذ آلاف السنين، تغيرت وضعية الجسد، ومعها تغيرت طريقة التفكير، والعلاقات، والسياسة، وحتى معنى الحرية.
من مراقبة النجوم إلى مراقبة الإشعارات
لم تكن النجوم بالنسبة إلى الإنسان القديم مجرد زينة في السماء، بل كانت كتابا مفتوحا.
من هذه النجوم تحديدا تعلم الاتجاهات، وحساب الفصول، ومواعيد الزراعة والإبحار.
ومن النظر الى السماء وُلد علم الفلك، ومنه خرجت الرياضيات والملاحة، ثم كثير من الاكتشافات التي صنعت الحضارة.
لذلك لم يكن غريبا أن تتكرر في القرآن الكريم دعوات التأمل في الكون : {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ}، لأن النظر لم يكن مجرد حركة للعين، بل كان تمرينا على التفكير.
حتى الفلاسفة كانت بداياتهم من التأمل في السماء. أرسطو، وأفلاطون، ومن قبلهم طاليس، كانوا يرون أن الدهشة هي بداية الفلسفة.
والدهشة لا تولد في عقل مشغول باستقبال مئات الرسائل كل ساعة، بل في عقل يملك رفاهية الصمت.
اليوم تغير المشهد. لم يعد الإنسان ينظر إلى السماء بحثا عن معنى، بل إلى شاشته بحثا عن تنبيه جديد.
لقد استبدلنا الأفق بالخوارزمية.
اقتصاد لا يبيع المنتجات..
بل يشد انتباهك ويشتريك.
كان الاقتصاديون يتحدثون قديمًا عن النفط والذهب والغاز باعتبارها أهم الثروات. أما اليوم فقد ظهرت ثروة جديدة لا تقل قيمة عنها: انتباه الإنسان.
تقول الباحثة الأمريكية «شوشانا زوبوف» إن شركات التكنولوجيا لم تعد تبيع خدمات فقط، بل تبني نموذجا اقتصاديا قائما على استخراج البيانات والتنبؤ بالسلوك البشري.
كل نقرة، وكل إعجاب، وكل ثانية تقضيها أمام الشاشة تتحول إلى مادة خام تُباع للمعلنين وتُستخدم لتوجيه اختياراتك وميولاتك.
لهذا السبب تبدو التطبيقات مجانية. أنت لا تدفع ثمنها من محفظتك، بل من وقتك، ومن تركيزك، ومن تفاصيل حياتك اليومية.
لعل العبارة الأشهر في وادي السيليكون تلخص الأمر كله: «إذا كنت لا تدفع ثمن المنتج، فمن المرجح أنك أنت المنتج».
لقد أصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، سلعة في سوق الانتباه العالمي.
الهاتف ليس المشكلة.
سيكون من السهل أن نلقي اللوم على جهاز الهاتف، لكنه في الحقيقة مجرد وسيلة وأداة.
فالهاتف نفسه أنقذ أرواحا في الكوارث، قرّب المسافات بين العائلات، فتح أبواب المعرفة أمام ملايين البشر، وجعل طالبا في قرية نائية يستمع إلى محاضرة في أفضل جامعات العالم.
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الطريقة التي صُممت بها لتحتكر انتباهنا.
الفيلسوف الكوري الألماني «بيونغ-تشول هان» يرى أن السلطة الحديثة لم تعد تعتمد على المنع والإكراه كما كانت في الماضي، بل على الإغراء.
لم يعد أحد يجبرك على البقاء أمام الشاشة، بل أصبحت الشاشة تعرف كيف تجعل مغادرتها أصعب من البقاء فيها.
لهذا لا نشعر بأننا ضحايا، بل نظن أننا أحرار، بينما نحن نستجيب في كثير من الأحيان لإيقاع صممته خوارزميات تعرف نقاط ضعفنا أكثر مما نعرفها نحن.
نهاية الملل.. ونهاية الإبداع
قد يبدو الملل شعوراً سلبياً، لكنه كان دائمًا بوابة للإبداع.
كم من قصيدة وُلدت في لحظة صمت؟ وكم من اكتشاف علمي بدأ بسؤال طرحه صاحبه أثناء نزهة أو تأمل؟.
اليوم لم نعد نمنح عقولنا فرصة للشرود. كل لحظة انتظار أصبحت فرصة لتصفح الهاتف. في المصعد، وفي الطابور، وفي المقهى، وحتى قبل النوم، نهرب من الصمت إلى الشاشة.
يحذر الكاتب الأمريكي «نيكولاس كار» في كتابه السطحيون من أن الإنترنت لا يغيّر فقط ما نقرأ، بل يغيّر الطريقة التي يعمل بها الدماغ.
أصبحنا نقرأ بسرعة، ونقفز بين المعلومات، بينما تتراجع قدرتنا على التركيز العميق والتأمل الطويل.
إننا نستهلك معلومات أكثر من أي جيل سابق، لكننا نفكر فيها أقل.
الوحدة في زمن الاتصال
المفارقة أن العالم لم يكن متصلًا متواصلا كما هو اليوم، ومع ذلك لم يشعر الإنسان بالوحدة كما يشعر بها اليوم.
لدينا آلاف الأصدقاء الافتراضيين، لكن عدد الأشخاص الذين يمكن أن نلجأ إليهم في لحظة أزمة يتناقص.
يصف عالم الاجتماع «زيغمونت باومان» هذه الحالة بأنها نتيجة «الحداثة السائلة»، حيث أصبحت العلاقات سريعة، وهشة، وقابلة للحذف كما تُحذف رسالة إلكترونية.
ولعلنا جميعا شاهدنا ذلك المشهد الذي أصبح مألوفا : أسرة تجلس حول مائدة واحدة، لكن كل فرد ينظر إلى جهاز هاتف. الصمت يملأ المكان، ليس لأنهم مختلفون، بل لأن كل واحد منهم يعيش في عالم آخر.
لقد أصبح من الممكن أن تتحدث مع شخص في قارة أخرى، بينما تعجز عن الإنصات لمن يجلس أمامك.
من يصنع أفكارنا؟
كان الإنسان يختار الصحيفة التي يقرأها، أو الكتاب الذي يقتنيه، أو البرنامج الذي يشاهده.
أما اليوم، فهناك من يختار له.
الخوارزميات لا تعرض لنا العالم كما هو، بل كما تعتقد أننا نحب أن نراه.
ومع الوقت، يصبح الإنسان محاطا بأفكار تشبه أفكاره، وآراء تؤكد قناعاته، وأخبار تغذي مخاوفه.
وهنا تكمن الخطورة.
فالخوارزمية لا تهتم بالحقيقة بقدر اهتمامها بإبقائك أطول وقت ممكن أمام الشاشة.
وإذا كان الغضب يجذب انتباهك أكثر من الهدوء، فإنها ستمنحك مزيدا من الغضب.
وإذا كانت نظرية المؤامرة تجعلك تتفاعل أكثر، فستقترح عليك عشرات النظريات المشابهة.
لقد أصبحنا نعيش داخل «فقاعات رقمية» لا نرى خارجها إلا قليلاً.
الأطفال الذين يعرفون الشاشة أكثر من السماء:
ربما يكون أكثر مشاهد عصرنا إيلاما طفل يطلب من والده أن ينظر إليه، بينما الأب يطلب منه الانتظار حتى ينتهي من الرد على رسالة.
لا شيء يعوض نظرة العين.
فالطفل لا يحتاج إلى ألعاب ذكية بقدر حاجته إلى أب حاضر ينظر اليه وأم تنصت لكل كلمة يقولها.
تشير دراسات حديثة إلى تزايد القلق والاكتئاب بين المراهقين بالتزامن مع الاستخدام المكثف للهواتف ومنصات التواصل، وهو ما دفع عالم النفس الأمريكي «جوناثان هايدت» إلى التحذير من آثار الحياة الرقمية على نمو الأطفال نفسيا واجتماعيا.
المشكلة ليست في أن الطفل يستخدم التكنولوجيا، بل في أن التكنولوجيا أصبحت تستخدم طفولته.
هل فقدنا السماء؟
قد يظن البعض أن الحديث عن رفع الرأس إلى السماء مجرد استعارة أدبية، لكنه في الحقيقة سؤال عن معنى الإنسان.
فالسماء ليست فقط حدود فضاء فوقنا، بل رمز للدهشة، وللتأمل، وللقدرة على تجاوز التفاصيل اليومية.
حين كان الإنسان يرفع رأسه، كان يسأل: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما معنى هذا الكون؟.
أما اليوم، فكثيرا ما يبدأ صباحه بسؤال مختلف تماما : كم شخصا أعجب بصورتي؟.
لسنا أمام أزمة تقنية، بل أمام أزمة انتباه، وأزمة معنى.
أن نرفع رؤوسنا من جديد
لن يعود العالم إلى ما قبل الهواتف، ولا ينبغي له ذلك. التكنولوجيا جزء من مستقبلنا، والذكاء الاصطناعي سيغير حياتنا أكثر مما غيرها الإنترنت.
لكن التقدم الحقيقي لا يقاس بعدد التطبيقات التي نحملها، بل بقدرتنا على ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نستخدمها.
أن نغلق الهاتف ساعة لنتحدث مع أبنائنا.
أن نمشي دون سماعات، ونستمع إلى أصوات الطبيعة والمدينة.
أن نقرأ كتابا بلا مقاطعة.
أن ننظر إلى وجه من نحب قبل أن ننظر إلى شاشة مضيئة.
ربما تبدو هذه أفعال صغيرة، لكنها في حقيقتها مقاومة حضارية.
لقد علمتنا الحضارة أن الإنسان انتصر حين رفع رأسه إلى السماء، وطرح الأسئلة الكبرى، وشيّد المدن، واكتشف النجوم.
أما اليوم، فإن التحدي ليس أن نرفض التكنولوجيا، بل أن نمنعها من تحويلنا إلى كائنات تنحني دائمًا.
لأن أخطر ما قد نخسره في هذا العصر ليس الوقت، ولا الخصوصية، ولا حتى القدرة على التركيز.
أخطر ما قد نخسره هو تلك اللحظة النادرة التي يرفع فيها الإنسان رأسه، فيرى السماء، ويتذكر أنه خُلق ليكون أكبر من شاشة، وأوسع من خوارزمية، وأعمق من تنبيه او إشعار.