د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
لا تُقاس قيمة برامج التمويل بحجم الأموال التي تضخها فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الأموال إلى مشاريع منتجة في الوقت المناسب. فالتمويل الزراعي ليس مجرد وسيلة لتوفير السيولة، وإنما هو ركيزة أساسية لتنمية القطاع الزراعي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتمكين المزارعين من تطوير مشاريعهم ورفع كفاءتها الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، يؤدي صندوق التنمية الزراعية دورًا وطنيًا بارزًا في دعم التنمية الزراعية من خلال تقديم قروض ميسرة دون فوائد، تسهم في تمويل عددٍ من المشاريع والأنشطة الزراعية، بما يجسد اهتمام الدولة -أيدها الله- بدعم المزارعين، وتعزيز الاستدامة الزراعية، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
غير أن نجاح التمويل لا يتوقف على قيمة الدعم أو تيسير شروطه فحسب، بل يمتد إلى كفاءة الإجراءات التي تضمن وصوله إلى المشروع في الوقت الذي يحتاج إليه. فكلما انسجمت آليات التنفيذ مع الواقع العملي للمزارعين، كان الأثر التنموي للتمويل أكبر وأسرع. ومن هنا تبرز أهمية مراجعة بعض آليات صرف القروض، بما يسهم في تعظيم الاستفادة من الدعم الحكومي، وتحقيق الغاية التي أنشئ من أجلها، وهي تحويل التمويل إلى مشاريع زراعية منتجة تسهم في دعم التنمية والأمن الغذائي.
وتتضح هذه القضية في بعض صور التمويل التي يقدمها صندوق التنمية الزراعية؛ إذ يمنح المستفيد قرضًا ميسرًا دون فوائد يغطي نسبة محددة من تكلفة بعض المشاريع أو التجهيزات الزراعية، بينما يتحمل المستفيد بقية التكلفة. وهذه السياسة التمويلية أسهمت في دعم كثير من المزارعين، ومكنت العديد منهم من تنفيذ مشاريعهم وتطويرها.
غير أن التطبيق العملي يكشف في بعض الحالات عن تحدٍّ إجرائي يتمثل في آلية صرف القرض؛ إذ يُطلب من المستفيد أحيانًا استكمال تنفيذ العمل وسداد قيمته للجهة المنفذة قبل صرف مبلغ التمويل المعتمد. وهنا تنشأ فجوة تمويلية قد تعوق تنفيذ المشروع، لأن المزارع يحتاج إلى التمويل ليتمكن من السداد، في حين تنتظر الجهة المنفذة استلام مستحقاتها قبل إنجاز العمل، فتتأخر عملية التنفيذ رغم صدور الموافقة على التمويل وتوافر الدعم المخصص له.
فإذا بلغت تكلفة أحد التجهيزات الزراعية (100 ألف ريال) مثلًا، وكان التمويل يغطي (45 %) من قيمته، فإن المستفيد سيتحمل الجزء المتبقي من التكلفة، ثم قد يُطلب منه سداد كامل قيمة التنفيذ قبل صرف مبلغ التمويل المعتمد، مما يضطر بعض المزارعين إلى توفير سيولة كبيرة أو اللجوء إلى الاستدانة، رغم صدور الموافقة على التمويل.
ويزداد أثر هذه الإشكالية على المزارعين المبتدئين، الذين لا يملكون في الغالب سيولة مالية كافية، فيضطر بعضهم إلى الاستدانة أو الاقتراض لتغطية تكاليف التنفيذ، رغم حصولهم على قرض تنموي ميسر. ومن ثم لا تكون العقبة في التمويل ذاته، وإنما في توقيت الاستفادة منه، وهو ما يستدعي دراسة آلية الصرف بما يحقق الغاية التنموية التي خُصص التمويل من أجلها.
ولعل معالجة هذه الإشكالية لا تتطلب تعديل سياسة التمويل أو زيادة نسبة القروض، فهذه أمور تخضع لاعتبارات تنظيمية ومالية مدروسة، وإنما قد يكمن الحل في تطوير آلية الصرف بما يحقق التوازن بين المحافظة على الضوابط المالية، وتمكين المستفيد من تنفيذ مشروعه في الوقت المناسب. ومن الخيارات الجديرة بالدراسة أن يُصرف مبلغ التمويل المعتمد مباشرة إلى الجهة المنفذة أو الموردة، بعد استكمال المتطلبات النظامية والتحقق من مراحل التنفيذ، أو اعتماد آليات مرحلية للصرف تضمن حقوق جميع الأطراف، وتحد من تعثر المشاريع بسبب نقص السيولة لدى المستفيد.
ولا يقتصر تطوير آلية التمويل على أسلوب صرف القرض فحسب، بل قد يمتد إلى دراسة بعض الجوانب الإجرائية الأخرى التي تسهم في تيسير استفادة المزارعين من التمويل، دون الإخلال بالضوابط النظامية والائتمانية. ومن ذلك مراعاة أوضاع المستفيدين الذين يرتبطون بعقود تمويلية سابقة مع الصندوق ويواصلون سداد أقساطها بانتظام، إذ قد يسهم ذلك في تخفيف الأعباء المالية عند تمويل مشاريع جديدة، ولا سيما إذا كانوا ملتزمين بسجل ائتماني جيد.
ومن الجوانب التي قد يكون من المناسب بحثها-في الحالات التي تكون فيها المزرعة مرهونة أصلًا للصندوق ضمانًا لتمويلات سابقة- إمكانية الاستفادة من الضمانات القائمة عند تمويل بعض العقود اللاحقة، متى سمحت الأنظمة والضوابط الائتمانية بذلك، بما ييسر الإجراءات، ويعجل بتنفيذ المشاريع، مع المحافظة الكاملة على حقوق الصندوق وضماناته النظامية.
وفي ظل ما توليه القيادة الرشيدة -أيدها الله- من اهتمام بالغ بتطوير القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، فإن مراجعة بعض الإجراءات التنفيذية، كلما دعت الحاجة إليها، تمثل امتدادًا لنهج التطوير المستمر الذي تتبناه مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن تطوير آلية صرف بعض القروض الزراعية لا يُعد تغييرًا في سياسة التمويل، ولا انتقاصًا من الجهود الكبيرة التي يبذلها صندوق التنمية الزراعية، بل هو خطوة تسهم في تعظيم أثر هذا الدعم، وتمكين المزارعين من الاستفادة منه في الوقت الذي يحتاجون إليه.
إن نجاح برامج التمويل لا يقاس بعدد القروض المعتمدة فحسب، وإنما بما تثمره من مشاريع قائمة، وإنتاج متنامٍ، وفرص عمل، وإسهام فاعل في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة. وكل إجراء يختصر زمن تنفيذ المشروع، ويخفف الأعباء المالية عن المزارع، ويعجل بتحويل الدعم إلى إنتاج، يعد استثمارًا في كفاءة الإنفاق وتعظيمًا لأثره التنموي. فالقيمة الحقيقية للتمويل لا تكمن في اعتماد القروض فحسب، بل في تحويلها إلى مشاريع منتجة تحقق التنمية الزراعية، وتعزز الأمن الغذائي، وتخدم مستهدفات رؤية المملكة 2030.