صبحي شبانة
لم يعد البحر الأحمر مجرد مساحة مائية تفصل بين قارتين، ولا مجرد طريق مختصر لعبور السفن بين الشرق والغرب، بل أصبح اليوم أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي في العالم، حيث تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وتتداخل فيه استراتيجيات القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية، في مشهد يعكس طبيعة النظام الدولي الجديد الذي باتت فيه الممرات البحرية أكثر تأثيرًا من كثير من الحدود البرية، وفي هذا الممر البحري الممتد من مضيق باب المندب جنوبًا حتى قناة السويس شمالًا، مرورًا بسواحل الصومال وجيبوتي وإريتريا، تتقاطع مصالح الولايات المتحدة والصين وأوروبا مع مصالح دول المنطقة في مساحة جغرافية محدودة، لكنها تمثل إحدى أهم نقاط الاختناق البحري في العالم، فقرابة 12 % من التجارة العالمية تمر عبر هذا الشريان الحيوي، إلى جانب نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج والمتجهة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وهو ما يجعل أي اضطراب أمني فيه أزمة لا تخص المنطقة وحدها، وإنما تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والتضخم العالمي.
لقد أثبتت الأحداث خلال السنوات الأخيرة أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر هشاشة مما كان يعتقد، وأن تعطيل ممر بحري واحد قادر على إرباك الأسواق العالمية بأكملها، وما شهدناه من اضطرابات في حركة الملاحة، وتحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح، وما ترتب على ذلك من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأخر وصول البضائع، كان دليلًا واضحًا على أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية، بل أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي، ولذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تعبره السفن، بل تحول إلى منصة استراتيجية تتنافس عليها القوى الدولية والإقليمية عبر ثلاث ركائز متلازمة أصبحت تشكل معادلة النفوذ البحري في القرن الحادي والعشرين: الميناء، والقاعدة العسكرية، وسلسلة الإمداد، فالميناء لم يعد مجرد منشأة لاستقبال السفن وتفريغ الحاويات، بل أصبح أداة لصناعة النفوذ الاقتصادي، ومركزًا لإدارة التجارة الدولية وربط الأسواق الإقليمية بالعالم، أما القواعد العسكرية فلم تعد مجرد نقاط دفاعية، بل أصبحت وسيلة لحماية خطوط الملاحة وردع التهديدات وتأمين المصالح الاستراتيجية، بينما تمثل السيطرة على سلاسل الإمداد المستوى الأكثر تطورًا في أدوات القوة الحديثة، إذ تمنح الدول قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي دون الحاجة إلى احتلال الأراضي أو خوض الحروب التقليدية.
لقد تغيرت قواعد القوة في العالم، ففي الماضي كانت الجيوش تحتل المدن، أما اليوم فإن الدول تتنافس على إدارة الموانئ، وتشغيل المناطق اللوجستية، والتحكم في مسارات التجارة الدولية، ومن يملك عقدة النقل يملك جزءًا مهمًا من القرار الاقتصادي العالمي، ومن هنا يمكن فهم حجم التنافس الذي يشهده البحر الأحمر، ففي هذه المنطقة تلتقي الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى حماية حرية الملاحة مع المشروع الصيني القائم على تعزيز شبكة التجارة العالمية عبر البنية التحتية والاستثمارات البحرية، كما تحرص الدول الأوروبية على تأمين خطوط التجارة التي تعتمد عليها اقتصاداتها، في الوقت الذي تسعى فيه قوى إقليمية إلى ترسيخ حضورها عبر الاستثمارات والموانئ والعلاقات الاقتصادية والعسكرية، ولم تعد المنافسة تقتصر على نشر القطع البحرية أو إقامة القواعد العسكرية، بل امتدت إلى الاستثمار في الموانئ، وإنشاء المناطق الحرة، وربط الموانئ بشبكات السكك الحديدية والمراكز اللوجستية، في إطار رؤية جديدة تعتبر الاقتصاد أحد أهم أدوات القوة والنفوذ.
وفي هذا المشهد المعقد، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أهم الفاعلين في معادلة أمن البحر الأحمر، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي الممتد على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ولكن أيضًا من خلال رؤيتها الإستراتيجية التي تنظر إلى أمن الملاحة باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، ولذلك جاء تحرك المملكة لتأسيس تحالف يضم أربع عشرة دولة معنية بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية وإمدادات الطاقة، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا بأن مواجهة التحديات البحرية لم تعد ممكنة عبر الجهود الفردية، وإنما تحتاج إلى عمل جماعي يقوم على التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، وتعزيز القدرات البحرية، وحماية خطوط الملاحة الدولية من أي تهديدات قد تستهدفها، إن هذه المبادرة السعودية لا تمثل تحالفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما تعكس رؤية إستراتيجية تقوم على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية جماعية، وأن استقرار هذا الممر الحيوي يمثل مصلحة مشتركة للدول المطلة عليه وللاقتصاد العالمي بأسره.
وقد أثبتت التجارب أن التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية لم تعد تقتصر على القرصنة أو الإرهاب البحري، بل أصبحت تشمل استخدام الطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والألغام البحرية، والهجمات غير التقليدية التي تستهدف السفن التجارية وناقلات النفط، بما يفرض تطوير مفهوم الأمن البحري ليصبح أكثر شمولًا وقدرة على التعامل مع طبيعة المخاطر الجديدة، وفي المقابل تواصل الإمارات العربية المتحدة تعزيز حضورها الاقتصادي واللوجستي عبر شبكة واسعة من الاستثمارات في الموانئ والمناطق الحرة، بما يعكس إدراكًا لأهمية الاقتصاد البحري في صناعة النفوذ الإقليمي، بينما تعمل دول أخرى على توسيع حضورها في القرن الإفريقي، إدراكًا منها أن السيطرة على الموانئ لم تعد أقل أهمية من السيطرة على الموارد الطبيعية، أما الولايات المتحدة فإنها تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها البحري العالمي، ولذلك تحافظ على وجود عسكري دائم لحماية الملاحة وضمان انسياب التجارة الدولية، وفي المقابل ترى الصين أن هذا الممر يمثل أحد أهم حلقات مبادرة الحزام والطريق، ولذلك تواصل الاستثمار في البنية التحتية والموانئ والخدمات اللوجستية، في إطار إستراتيجية طويلة المدى تقوم على توسيع النفوذ الاقتصادي باعتباره مدخلًا لتعزيز المكانة الدولية.
وهكذا أصبح البحر الأحمر نقطة التقاء لمشروعات كبرى تتجاوز حدود المنطقة فهو ليس ساحة صراع عسكري فقط، بل أيضًا ساحة تنافس اقتصادي واستثماري وتكنولوجي، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع حسابات التجارة والطاقة والاستثمار، لكن وسط هذا المشهد تبقى الحقيقة الأهم أن أمن البحر الأحمر لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها فالسفن الحربية تستطيع حماية الممرات لفترة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور الأزمات السياسية التي تنتج التوترات، ولا يمكنها ضمان الاستقرار الدائم في غياب التنمية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ودعم الاستقرار في الدول المطلة على هذا الممر الحيوي.
إن مستقبل البحر الأحمر لن تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل سيحدده التكامل بين الأمن والتنمية، والتلاقي بين الردع العسكري والتكامل الاقتصادي. فكلما اتسعت مشروعات التنمية، وتعززت شبكات التجارة والاستثمار، تراجعت مساحات الفوضى، واتسعت فرص الاستقرار والازدهار، وترسخت مكانة البحر الأحمر بوصفه شريانًا للتنمية العالمية، لا ساحةً للصراعات، لقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها الموانئ توازي في أهميتها حقول النفط، وأصبحت سلاسل الإمداد لا تقل تأثيرًا عن حاملات الطائرات، وأصبح التحكم في حركة التجارة العالمية أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين، ومن هنا فإن حماية البحر الأحمر ليست مجرد حماية لممر مائي، بل هي حماية لشريان رئيسي يغذي الاقتصاد العالمي، ويحافظ على استقرار أسواق الطاقة، ويؤمن مصالح عشرات الدول ومئات الملايين من البشر.
ومن هذا المنطلق، تبدو المبادرة السعودية لبناء تحالف واسع يضم أربع عشرة دولة لحماية أمن الملاحة والممرات البحرية وإمدادات الطاقة خطوة تتجاوز حدود الإقليم، وتعكس إدراكًا بأن أمن التجارة العالمية لا يمكن أن يبقى رهينة للاضطرابات أو المغامرات العسكرية، فاستقرار البحر الأحمر لم يعد مطلبًا عربيًا أو إقليميًا فحسب، بل أصبح ضرورة دولية، لأن العالم بأسره يدفع ثمن أي اضطراب يقع في هذا الشريان الحيوي، ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه التحولات الراهنة هو أن معارك المستقبل لن تُحسم فقط في ميادين القتال، وإنما في الموانئ، والممرات البحرية، والعقود اللوجستية، وشبكات النقل، وسلاسل الإمداد، ومن ينجح في تأمين هذه العناصر، سيكون الأقدر على التأثير في الاقتصاد العالمي، وصناعة التوازنات الدولية، ورسم خرائط النفوذ في العقود القادمة.