د. رانيا القرعاوي
أصبح تخصيص أعوام وطنية لقضايا إستراتيجية شائعًا في السنوات الأخيرة، فبعد أن حمل عام 2026 عنوان «عام الذكاء الاصطناعي»، يأتي إعلان عام 2027 «عام الماء» ليؤكد أن الأمن المائي لم يعد ملفًا خدميًا فحسب، بل قضية تنموية ترتبط بالاقتصاد والبيئة وجودة الحياة والأمن الوطني.
ويظل السؤال هل تكفي التسمية وحدها لصناعة أثر؟ تؤكد التجارب العالمية أن الاسم فقط لا يصنع الأثر، وتشير أدبيات الاتصال وتغيير السلوك إلى أن رفع الوعي، رغم أهميته، نادرًا ما يكون كافيًا لتغيير السلوك. ويؤكد نموذج COM-B الذي طورته جامعة كوليدج لندن، وأصبح أحد أكثر الأطر استخدامًا في تصميم الحملات السلوكية، أن الإنسان لا يغيّر سلوكه بمجرد المعرفة، بل عندما تتوافر له القدرة والفرصة والدافع معًا. بمعنى آخر، الرسالة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يرافقها نماذج تشجع على السلوك المطلوب.
وهذا ما أكدته أيضًا مراجعة علمية واسعة نُشرت في Nature Human Behaviour، والتي وجدت أن حملات التوعية تحقق نتائج أفضل عندما تقترن بحوافز عملية، وشراكات مجتمعية، ورسائل متكررة، وآليات تقيس التغيير الفعلي في السلوك، لا مجرد الوصول الإعلامي.
من هنا، فإن نجاح «عام الماء» لن ينجح بمجرد التسمية فقط، إذا لم يتواءم مع خطة تواصل استراتيجي شاملة ومتكاملة، لا تتضمن شعار وبيانات صحفية فقط، بل تركز على رسائل ومبادرات وحملات تعرف كيف تصل للجمهور المناسب وفي الوقت المناسب.
ففي «عام الذكاء الاصطناعي»، اكتفت الكثير من المؤسسات بإضافة شعار المناسبة إلى الهوية البصرية أو تنظيم فعالية أو اثنتين، بينما لم يشعر كثير من الناس أن العام انعكس على تفاصيل حياتهم اليومية. لم تتحول المناسبة إلى حركة اجتماعية واسعة، ولم تتغير لغة المؤسسات أو مبادراتها بالقدر الذي يجعل المواطن يشعر بأنه يعيش «عامًا» مختلفًا.
وهنا أمام عام الماء فرصة مختلفة، فبدل أن يصبح مجرد شعار يوضع على الهيدر أو توقيع البريد الإلكتروني، يمكن أن يتحول إلى برنامج وطني متكامل تتشارك فيه الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمدارس والإعلام والمؤثرون. فكل جهة تستطيع أن تربط رسالتها بالماء من زاوية اختصاصها، وأن تطلق مبادرات قابلة للقياس، لا مجرد رسائل موسمية.
تخيل لو أصبح لكل وزارة ومؤسسة «تعهد مائي» معلن، ولكل جامعة تحديات ابتكارية، ولكل مدرسة مسابقات تقيس انخفاض الاستهلاك، ولكل شركة تقرير سنوي يوضح مساهمتها في كفاءة استخدام المياه، مع لوحات متابعة تعرض النتائج بشفافية. عندها تتحول المناسبة من حملة اتصالية إلى حركة مجتمعية.
ولعل تزامن «عام الماء» مع استضافة المملكة المؤتمر العالمي للمياه 2027 يمنح المبادرة بعدًا دوليًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات. فالعالم لن ينظر فقط إلى ما ستقوله المملكة عن المياه، بل إلى ما ستنجح في تطبيقه على أرض الواقع، وإلى التجربة التي يمكن أن تقدمها نموذجًا في الاتصال، والابتكار، وتغيير السلوك.
لقد قطعت المملكة شوطًا كبيرًا في قطاع المياه؛ فمن خفض الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة، إلى مضاعفة السعات التخزينية، والتوسع في التحلية، وتحقيق وصول شبه كامل لخدمات مياه الشرب الآمنة. وهذه الإنجازات تمنح «عام الماء» أساسًا قويًا، لكن الحفاظ عليها يتطلب شريكًا لا يقل أهمية عن البنية التحتية.. وهو الإنسان. فالسنوات الوطنية لا تُخلّد بأسمائها، وإنما بالأثر الذي تتركه في أفراد المجتمع وهذه مسؤولية المواطن في ترشيج استهلاكه، والقطاعات الحكومية والخاصة في تجذير إنجاح قرار الدولة بجعل هذا العام عام ماء ناجح.