حمد عبد العزيز الكنتي
حتى وقت قريب كانت الوكالات العالمية تتصدر مشهد التسويق في المملكة، مستفيدةً من خبراتها المتراكمة وحضورها الدولي، قبل أن تبدأ الوكالات السعودية منذ نحو عقدين من الزمان رحلة مختلفة استطاعت خلالها أن تثبت حضورها، وتنافسيتها في التحوّل من لاعب محلي إلى شريك إستراتيجي في صناعة التأثير، وبناء العلامات التجارية في واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة، وأكثرها حيوية وتجدداً
وتزامن هذا التحول مع النهضة الشاملة التي تعيشها المملكة حيث جاءت رؤية المملكة لتمنح قطاع الإعلام والتسويق مساحة أوسع للنمو، مستهدفة رفع مساهمة قطاع الإعلام في الناتج المحلي الإجمالي من 16 مليار ريال في عام 2024 إلى 42 مليار ريال بحلول عام 2030 مع رفع عدد العاملين في القطاع إلى أكثر من 160 ألف وظيفة، وهو ما يعكس المكانة المتنامية لهذا القطاع كأحد المحركات الاقتصادية
ومع هذا النمو المتسارع شهد قطاع الوكالات التسويقية والإبداعية توسعاً غير مسبوق مدفوعاً بالتحول الرقمي، وازدياد استثمارات القطاعين الحكومي والخاص في بناء العلامات التجارية والتسويق وصناعة المحتوى، حتى تجاوز عددها في المملكة المئات، وأصبحت تنافس في جودة خدماتها وإبداعها وقدرتها على صناعة الأثر في وجدان الجمهور
وتقدم الوكالات -أو كما تشتهر بمسمى (Agency)- منظومة متكاملة من الخدمات تشمل: (التسويق الإبداعي، وبناء الهوية، والإعلان، وصناعة المحتوى، والتسويق الرقمي، وإدارة الحملات، والإستراتيجيات الإبداعية) مستندة إلى سوق إعلاني تُقدر قيمته بنحو 8 مليارات ريال سنويا وفق بيانات الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، وهو ما يعكس حجم الفرص الاستثمارية التي يُوفرها هذا القطاع.
ولم تعد الوكالات الإبداعية مجرد منفذ للحملات التسويقية بل أصبحت شريكا في صناعة الصورة الذهنية للجهات الحكومية والخاصة، حيث تُبرم عقوداً بمئات الملايين لتنفيذ مشاريع متكاملة تشمل: (بناء الهويات المؤسسية، وتنظيم الفعاليات، وصناعة المحتوى، والإنتاج الإبداعي، والحملات التسويقية، والعلاقات العامة، وإدارة المناسبات الوطنية، والتقارير السنوية) إضافةً إلى إدارة المحتوى الرقمي، وتعزيز الحضور على منصات التواصل الاجتماعي عبر مُنتجات إبداعية متنوعة.
وتستند هذه المنظومة الإبداعية إلى فرق عمل متخصصة تضم: (كتاب المحتوى، والمصممين، والمخرجين، والمونتيرين، ومختصي التحريك، والدجتال، والنشر الإلكتروني، وتصميم المواقع، والتصوير وإدارة الفعاليات لوجستياً وإعلامياً).
وتتفاوت هذه التخصصات من وكالة إلى أخرى بحسب حجمها، وطبيعة عملائها، ومستوى الخدمات التي تقدمها سواء كانت متخصصة في الإعلان، أو تقدم حلولاً تسويقية متكاملة.
وتبدأ رحلة كل مشروع من الملخص التنفيذي أو (البريف) الذي يُقدمه العميل، لتتحول تفاصيله داخل الوكالة إلى غرفة عمليات متكاملة يعمل فيها الجميع بروح الفريق الواحد، حيث تتقاطع الخبرات، وتتوزع الأدوار من أجل الوصول إلى فكرة إبداعية قادرة على تحقيق أهداف العميل، وصناعة حملة أو فعالية تترك أثرا طويل المدى لدى الجمهور، وتُحقق نتائج ملموسة تتجاوز التوقعات.
ورغم العدد الكبير للوكالات العاملة في السوق إلا أن نُخبة محدودة منها هي التي تدير مشاريع الجهات الحكومية والشركات الكبرى، وتتولى تنفيذ الحملات السنوية والموسمية، مستفيدةً من خبراتها المتراكمة، وكفاءاتها المتخصصة، في حين تواصل بقية الوكالات تعزيز حضورها في سوقٍ يشهد نمواً متواصلاً، ويزداد فيه الطلب على الخدمات الإبداعية عاماً بعد عام.
ومع اتساع حجم المشاريع وتنامي المنافسة بدأت الوكالات السعودية تتجه إلى مرحلة أكثر نضجاً، من خلال بناء التحالفات وتأسيس الكيانات المشتركة التي تجمع الخبرات والتخصصات في منظومة واحدة، بما يرفع جودة الخدمات، ويُعزز القدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى، ويُؤسس لمرحلة جديدة من الاستدامة والنمو، تجعل الوكالات الإبداعية السعودية أكثر جاهزية لتعزيز قيادة مستقبل صناعة التسويق والإبداع في المملكة والمنطقة.