د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
توقيع اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية اتفاقية 123 إلى جانب اتفاق ضمانات ثنائية، بما يرسم الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود، يأتي هذا الاتفاق تتويجاً لزيارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر 2025.
يمثل الاتفاق امتداداً للتعاون القائم بين البلدين في قطاع الطاقة، وتوسيع الشراكة في مجالات التقنيات المستقبلية المتقدمة لدعم التنمية المستدامة، بما في ذلك دعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات لتطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفق أعلى المعايير الدولية المتعقلة بالأمن والأمان النووي وعدم الانتشار، الاتفاق يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عبر توسيع التعاون في التكنولوجيا النووية المدنية.
الاتفاق لم يكن وليد اللحظة بل امتدت المفاوضات منذ عام 2008 وتواصلت المشاورات بين عامي 2017 و2019 محادثات مع شركات أميركية مهتمة بالمشاركة في البرنامج النووي السعودي، قبل أن يوقع البلدان في نوفمبر 2025 إعلاناً مشتركاً لاستكمال إطار التعاون، وصولاً إلى توقيع اتفاق 123 واتفاقية الضمانات الثنائية التي تؤسس للإطار القانوني للتعاون النووي المدني بين البلدين.
هدف السعودية من تطوير برنامج نووي سلمي يستهدف تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز الإمدادات النظيفة، وتحقيق التنمية المستدامة، إلى جانب الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، يتيح ذلك في إنتاج الكهرباء وتحلية المياه بكفاءة أعلى، في ظل النمو المتواصل في الطلب على الكهرباء والماء، يعزز أمن الإمدادات عبر توفير مصدر مستقر للكهرباء والماء لا يعتمد على تقلبات أسواق الوقود، وتقليص الاعتماد المحلي على النفط والغاز، وتحرير كميات أكبر من الهيدروكربونات للتصدير، ويرفع من كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، ويدعم استدامة النمو على المدى الطويل، بجانب تنويع مصادر الطاقة، وخفض الانبعاثات الكربونية، بما يعزز مكانتها بوصفها أحد أبرز مراكز الطاقة والصناعة المتقدمة في المنطقة، ويجعل البرنامج النووي السلمي جزءاً من التحول الاقتصادي الذي تقوده رؤية 2030.
وتود السعودية أن تكون نموذجاً يحتذى به في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وفق أعلى معايير السلامة والأمن النووي، إذ حمل توقيع الاتفاق 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، الذي ينظم التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، ولا تتيح واشنطن تصدير المفاعلات أو الوقود أو التكنولوجيا النووية إلا للدول التي تبرم هذا النوع من الاتفاقيات التي تحدد الإطار القانوي للتعاون، وآليات الرقابة، ومتطلبات الاستخدام السلمي للمواد والتقنيات النووية، بموجب هذا الاتفاق تستطيع الشركات الأمريكية المشاركة في تصميم وبناء وتشغيل المفاعلات النووية.
سبق أن أعلنت السعودية عزمها إنتاج الكعكة الصفراء بوصفها المرحلة الأولى في دورة الوقود النووي ضمن خططها للاستفادة الاقتصادية من موارد اليورانيوم وبناء قطاع نووي متكامل للأغراض السلمية، بما يشمل استغلال خامات اليورانيوم الوطنية وفق الضمانات والالتزامات الدولية.
أنشئت مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة في 2010 في ينبع لتقود تطوير البرنامج النووي ووضع الأطر التنظيمية والإشراف على الاتفاقيات الدولية، تلا ذلك تنفيذ الدراسات الفنية لاختيار مواقع إنشاء المفاعلات في الجبيل وتبوك وجيزان، وأطلقت المشروع الوطني للطاقة الذرية بين عامي 2017 - 2023 عبر برنامج يرتكز على المفاعلات الكبيرة، والمفاعلات الصغيرة المدمجة، ودورة الوقود النووي، ومنظومة الرقابة والتنظيم.
الاتفاق لا يقتصر على الأبعاد التقنية والتطويرية في قطاع الطاقة، بل يعزز موثوقية السعودية في الأسواق الدولية بوصفها مركزاً جاذباً للاستثمارات العابرة للحدود، ويمنح اقتصاد السعودية مناعة أعلى وضمانة أمام الصدمات العالمية الطارئة، إلى جانب إحداث قفزة نوعية في التصنيع المحلي لا سيما في قطاعات التصنيع والتعدين والتقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي وصناعة الشرائح الإلكترونية والرقائق المتقدمة، يرفع تنافسية المنتجات الصناعية السعودية في الأسواق العالمية لتعزيز الصادرات، مما يوسع من القاعدة الصناعية، ويفتح الباب أمام مشروعات تعاون دولية وإقليمية، وينشط شهية الاستثمار الأجنبي المباشر لتحقيق مستهدفات رؤية 2030.
***
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً