د. محمد بن عبدالله آل عمرو
تشهد المملكة العربية السعودية حراكًا تطويريًا واسعًا في قطاع التعليم، تقوده رؤية المملكة 2030، بهدف الارتقاء بجودة التعليم ومخرجاته، وإعداد أجيال تمتلك المعارف والمهارات اللازمة للمنافسة عالميًا. غير أن هذا الطموح الكبير يفرض علينا الوقوف بجدية أمام كل قرار أو ممارسة قد تؤثر في جودة العملية التعليمية، ومن أبرزها مسألة تكليف المعلم بتدريس مواد خارج تخصصه.
وليس بخاف أن نتائج المملكة في عدد من الاختبارات الدولية، مثل TIMSS وPISA، ما زالت دون مستوى الطموح، لا سيما في الرياضيات والعلوم والقراءة. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة التعليم لمعالجة هذا الواقع، فإن تحسين المخرجات يبدأ من داخل غرفة الصف، والمعلم هو الركن الأهم في هذه المعادلة.
ومن واقع تجربة امتدت سنوات طويلة في إعداد المعلمين، والخبرة الأكاديمية والإدارية في كليات المعلمين، أستطيع القول إن إعداد المعلم ليس عملية عابرة يمكن تجاوزها بيسر، فقد كانت كليات المعلمين تؤهل الطالب في تخصص رئيس، مع تضمين خطته الدراسية عددًا من المقررات في تخصصات أخرى، حتى يتمكن عند الضرورة من الإسهام في تدريسها، ومع ذلك فقد كانت الملاحظة العملية تؤكد أن كثيرًا من الخريجين، وخاصة الحاصلين على تقدير مقبول أو جيد، كانوا بالكاد يمتلكون الكفاية العلمية والتربوية اللازمة لتدريس تخصصهم الرئيس بكفاءة، فضلاً عن قدرتهم على تدريس تخصص آخر يحتاج إلى معرفة أعمق وإعداد أكثر تخصصًا.
ولعل هذا الإدراك هو ما دفع مجلس الشورى قبل سنوات إلى التوصية بأن يكون سد احتياج مدارس المرحلة الابتدائية من المعلمين على أساس التخصص، مع تعديل الوضع القائم تدريجيًا. ولم تكن تلك التوصية مجرد رأي تنظيمي، بل كانت تعكس فهمًا عميقًا لأثر التخصص في جودة التعليم، وأن تحسين التحصيل الدراسي يبدأ من وضع المعلم المناسب في المكان المناسب.
وجاء نظام التعليم العام الجديد ليقرر في المادة (46) جواز تكليف المعلم بتدريس مقررات تخرج عن تخصصه، وعلى الرغم من أنه لم يجعل ذلك حقًا مطلقًا، فقد أحال إلى الفقرة (4) من المادة (8)، التي نصت على إقرار قواعد لتأهيل المعلمين لتدريس المواد الخارجة عن تخصصاتهم، على أن تتضمن تلك القواعد المتطلبات المهنية اللازمة والمزايا المالية.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية، فالنظام لم يقل إن الأصل هو تدريس المعلم لأي مادة، وإنما جعل الأصل هو التخصص، وجعل التكليف بغير التخصص استثناءً تحكمه ضوابط دقيقة، أهمها التأهيل المهني المسبق، ولذلك فإن قراءة المادتين معًا تقود إلى نتيجة واضحة، وهي أن المشرع لم يرد فتح الباب على مصراعيه للتوسع في هذه الممارسة، وإنما أراد منح الوزارة مرونة لمعالجة الحالات التي تفرضها الضرورة، مع المحافظة على جودة التعليم.
والتخوف الحقيقي لا يكمن في وجود هذا الاستثناء، بل في أن يتحول مع مرور الوقت إلى قاعدة عامة تستخدم لسد العجز أو معالجة الاختلالات الإدارية على حساب جودة التعلم، وكذلك في أن يتجاوز ذلك الاستثناء المرحلة الابتدائية إلى ما بعدها، فعندما يصبح من المعتاد أن يدرس معلم الرياضيات العلوم، أو يدرس معلم اللغة العربية الدراسات الاجتماعية، أو يكلف معلم آخر بمادة لم يتخصص فيها، فإن أول المتأثرين بذلك هو الطالب، لأن المعرفة المتخصصة لا تُختزل في الإلمام العام بالمادة، وإنما تشمل عمق المحتوى، وطرائق تدريسه، وأخطائه الشائعة، وأساليب تقويمه، وبناء المفاهيم فيه بصورة صحيحة.
كما أن التوسع في هذا الاستثناء قد ينعكس سلبًا على برامج إعداد المعلمين في الجامعات، إذ يفقد التخصص شيئًا من قيمته العملية إذا أصبح من الممكن تجاوز حدوده بسهولة، وفي المقابل فإن المحافظة على أولوية التخصص تدفع الجامعات إلى تطوير برامجها، وتشجع المعلمين على التعمق في مجالاتهم العلمية، وهو ما ينعكس في النهاية على مستوى التحصيل لدى الطلاب.
ولا يعني ذلك رفض الاستثناء مطلقًا، فكل نظام يحتاج إلى قدر من المرونة لمواجهة الظروف الطارئة، لكن هذه المرونة يجب أن تبقى في حدودها الضيقة جدا، وأن تقترن بتأهيل حقيقي، وتقييم مستمر، وألا تستخدم إلا عند تعذر توفير المعلم المتخصص، وبعد استنفاد جميع البدائل الأخرى.
وإذا كنا نتطلع إلى تحسين ترتيب المملكة في مؤشرات التعليم العالمية، فإن من الحكمة أن نحافظ على مبدأ «المعلم المتخصص للمادة المتخصصة» بوصفه الأصل الذي لا يُعدل عنه إلا لضرورة، وأن يظل ما نصت عليه المادة (46) من نظام التعليم العام، وما أحالت إليه الفقرة (4) من المادة (8)، استثناءً منضبطًا لا قاعدة متسعة، فكلما اتسع نطاق الاستثناء، اتسعت معه الفجوة بين ما نأمله من التعليم، وما يتحقق فعلاً داخل الفصول الدراسية، فالتعليم ليس ميدانًا مناسبًا للتوسع في الحلول المؤقتة، لأن ثمن أي تراجع في جودته لا يدفعه النظام، بل يدفعه الطالب المتعلم، ثم يدفعه الوطن كله بعد سنوات، حين تتخرج أفواج الأجيال بدون مهارات معرفية حقيقية.