مهدي آل عثمان
يحظى التعليم في المملكة العربية السعودية بعناية واهتمام كبيرين من القيادة الرشيدة، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية للتنمية، وأن المعلم هو حجر الزاوية في صناعة الأجيال، وغرس القيم، وإعداد الكفاءات التي تقود مستقبل الوطن. ولهذا، فإن الاستثمار في المعلم لا ينبغي أن يقتصر على تطوير المناهج، أو تنمية المهارات المهنية، أو تحديث البيئة التعليمية، بل يمتد إلى كل ما يعزِّز استقراره النفسي والاجتماعي والصحي، لأن جودة التعليم تبدأ من جودة البيئة التي يعمل فيها المعلم.
وقد شهد قطاع التعليم خلال السنوات الأخيرة تطورات نوعية، كان من أبرزها صدور نظام التعليم العام الجديد، الذي عزَّز الحوكمة، ونظم الحقوق والواجبات، ورسخ مبادئ التطوير المؤسسي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت الاستثمار في الإنسان محوراً رئيساً للتنمية الوطنية.
ومع هذه الجهود الكبيرة، يظل التأمين الصحي للمعلمين من الموضوعات التي تستحق أن تعود إلى دائرة الاهتمام، ليس باعتباره مطلباً وظيفياً، وإنما بوصفه استثماراً في الإنسان الذي يتولى بناء الإنسان، وعنصراً مهماً في استقرار البيئة التعليمية ورفع جودة مخرجاتها.
ولعل كثيراً من المعلمين ما زالوا يتذكرون المبادرة التي أطلقتها وزارة التعليم عام 2017، عندما أتاحت عبر نظام فارس برنامجاً للتأمين الصحي لمنسوبيها. وقد عكست تلك المبادرة آنذاك اهتمام الوزارة بهذا الجانب، وفتحت نافذة أمل لدى العاملين في الميدان التعليمي، إلا أنها لم تتطور إلى برنامج مؤسسي شامل ومستدام. واليوم، وبعد ما شهدته المملكة من تطور كبير في القطاع الصحي، وبرامج جودة الحياة، والاستثمار في رأس المال البشري، تبدو الفرصة مهيأة لإعادة دراسة هذه المبادرة والبناء عليها بما يتوافق مع المرحلة الحالية.
ومع ما حمله نظام التعليم العام الجديد من تطوير تشريعي وتنظيمي مهم، فإن استكمال منظومة العناية بالمعلم يظل فرصة قائمة لإطلاق مبادرات نوعية تعزِّز استقراره المهني والأسري، ويأتي التأمين الصحي في مقدمة هذه المبادرات. فليس المقصود هنا المطالبة بامتياز إضافي، وإنما الدعوة إلى استكمال منظومة الدعم التي تمكن المعلم من أداء رسالته في أفضل الظروف، وتمنحه مزيداً من الطمأنينة والاستقرار.
لقد أصبح التأمين الصحي في كثير من الجهات أحد مكونات بيئة العمل الحديثة، لما يحققه من آثار إيجابية على الرضا الوظيفي، والاستقرار المهني، والمحافظة على الكفاءات. والتعليم ليس استثناءً من ذلك، بل إن الحاجة إليه أصبحت أكبر، لأن أثر المعلم لا يتوقف عند حدود المؤسسة التي يعمل فيها، بل يمتد إلى المجتمع كله من خلال الأجيال التي يقوم على تعليمها وتربيتها.
كما أن المعلم الذي يطمئن على صحته وصحة أسرته يكون أكثر تركيزاً في أداء رسالته، وأكثر قدرة على الإبداع، وأعلى دافعية للعطاء. أما حين يواجه تحديات صحية أو أعباء علاجية، فإن ذلك قد يؤثر في مستوى استقراره النفسي، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على أدائه داخل المدرسة، مهما بلغت درجة إخلاصه لمهنته.
وقد أثبتت التجارب الإدارية أن الإنفاق على صحة الموظف ليس تكلفة، بل استثمار طويل الأجل يرفع الإنتاجية، ويحد من الغياب، ويعزز الانتماء للمؤسسة. وإذا كان هذا المفهوم يطبق في مختلف القطاعات الخاصة أو الحكومية التي تحرص على جودة المخرجات، فإنه في قطاع التعليم يكتسب أهمية مضاعفة، لأن الاستثمار في المعلم هو استثمار في الطالب، وفي المدرسة، وفي مستقبل الوطن.
كما أن إعادة دراسة مشروع التأمين الصحي تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت جودة الحياة والاستثمار في الإنسان من أولوياتها. والمعلم هو أول من يترجم هذه الرؤية إلى واقع، لأنه يصنع الكفاءات الوطنية التي ستقود التنمية في مختلف المجالات، ومن هنا فإن العناية بصحته ليست قضية فردية، بل قضية تنموية ذات أثر واسع.
ولا شك أن وزارة التعليم حققت إنجازات كبيرة في تطوير البيئة التعليمية، والتحول الرقمي، وتأهيل المعلمين، وتحسين المناهج، وهي جهود تستحق كل التقدير. ومن هنا، فإن إعادة طرح مشروع التأمين الصحي ستكون امتداداً طبيعياً لهذه الجهود، وستعكس استمرار الاهتمام بالمعلم بوصفه الشريك الأول في تحقيق مستهدفات التعليم.
إن المعلم لا يبحث عن امتياز استثنائي، بقدر ما يتطلع إلى بيئة عمل متكاملة تعينه على أداء رسالته، وتمنحه الشعور بأن صحته وصحة أسرته تحظيان بالاهتمام الذي ينسجم مع مكانة رسالته. فالتقدير الحقيقي لا يقاس بالكلمات وحدها، وإنما بالمبادرات التي تلامس احتياجاته، وتعزِّز استقراره، وتوفر له البيئة التي تمكنه من مواصلة عطائه.
لقد طال انتظار هذا الحلم، إلا أن ما تشهده المملكة اليوم من تطور في القطاع الصحي، ومن اهتمام بجودة الحياة، ومن استثمار في رأس المال البشري، يجعل إعادة دراسة مشروع التأمين الصحي للمعلمين والمعلمات فكرة جديرة بالبحث. فهي ليست مجرد خدمة إضافية، بل استثمار في جودة التعليم، ورسالة تقدير لمن يحمل على عاتقه مسؤولية إعداد أجيال الوطن، وترجمة عملية للاهتمام بالإنسان الذي يصنع الإنسان.