د. تنيضب الفايدي
بعد أن تلقى الكاتب نبأ اختياره ومعه الأستاذ صيفي عيسى الشلالي لكتابة الدراسة العلمية التوثيقية عن غزوة خيبر ومسارها حسب الواقع الميداني من قبل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في المملكة العربية السعودية، قام الباحثان بعدة رحلات، وأوضحا الجبال والأودية التي مرّ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الطريق من المدينة إلى أن وصل خيبر، حيث بلغت تلك المواقع ذات العـلاقة بهذه الغـزوة (34) أربعة وثلاثين موقعاً، تم رصدها وتصويرها. وقد نتج عن تلك الزيارات الميدانية كتاب علمي موثق (غزوة خيبر دراسة علمية توثيقية).
فكما هو معلوم أن خيبر تقع في منطقة بركانية واسعة تتميز بحرات سوداء (Lava)، لكن الحرار ليست هي السمة الوحيدة للسطح في محافظة خيبر، فخيبر أيضاً ضمن المناطق الواقعة في إقليم الدرع العربي، إذ تنتشر السلاسل الجبلية التي تعتبر امتداداً لجبال الحجاز (السروات) حيث تظهر النتوءات الجبلية جنوب المحافظة وجنوبها الغربي وشمالها وشمالها الغربي مثل: جبل اشمذ وقد ورد ذكره كأحد المعالم التي يمر بها أحد الطرق القديمة من المدينة إلى خيبر، وجبل السرير في الثمد، وبعض السلاسل الجبلية شمال خيبر، وكذلك سلسلة جبال الصهباء في خيبر وغيرها من الجبال.
أما جبال الصهباء فهي سلسلة جبال مواجهة لخيبر التاريخية من جهتها الجنوبية، وتسمى اليوم جبال عطوة، تتميز بلونها الأحمر وسط بحر سواد الحرة، مع بياض القرقرة إلى الشرق منها، وربما يكون هذا التنوع اللوني هو ما أعطاها اسمها، وتمتد من أقصاها الشمالي إلى أقصاها الجنوبي مسافة حوالي 16 ستة عشر كيلاً، وتنقسم إلى قسمين: قسم شمالي وهو المواجه لخيبر التاريخية، وقسم عطوة أول ما يُرى منها للقادم من المدينة عبر وادي نمار وهو المواجه لقرقرة ثبار أو ما يعرف اليوم بـ(قاع قران). وهذه السلسلة من أقصاها الشمالي إلى أقصاها الجنوبي تبلغ عشرة أميال أو ستة عشر كيلاً ونصف الكيل وتحتل مساحة تقدر بـ(35) كيلاً مربعاً.
وامتداد عطوة الشمالية من الشرق إلى الغرب يبلغ أقصاه 6 أميال أيضاً أي: حوالي تسعة كيلومترات ونصف. أما عطوة الجنوبية فتطل من الجنوب على قرى كلّ من: الوادي (أم حكيم)، وعلى زبران والخريبة والعاند والسليم، وعلى وادي الغرس (أبا النعم)، كما أنها مواجهة لوادي (نمار) أنمر، فهي تمتد لنفس المسافة تقريباً.
وتنحدر أوديتها إلى الشمال في وادي السلمة المنطلق من وادي الزعبلة وأم ضعوة، وينحدر قسم من أوديتها شرقاً لتصبّ في قاع قران (قرقرة ثبار)، الذي يدفع فيه أيضاً وادي نجار المنطلق من حرة خيبر. وأما أوديتها الجنوبية والغربية فتدفع في وادي الغرس عند قرية الوادي، وأوديتها الغربية جميعها تدفع في وادي الغرس الذي يخترق سلسلتها الغربية فيما بينها وبين قرية ثور.
والصَّهْبَاء تأنيث أَصْهَب، وهو من الصُّهْبَة وهي في اللغة لونُ حمْرةٍ في شعر الرأْس واللحية، إذا كان في الظاهر حُمْرةٌ، وفي الباطن اسودادٌ، وكذلك في لون الإِبل؛ بعيرٌ أَصْهَبُ وصُهابيٌّ وناقة صَهْباء وصُهابِيَّةٌ؛ قال طَرَفة:
صُهابِيَّةُ العُثْنُونِ، مُؤجَدَةُ القَرَا
بَعيدةُ وَخْدِ الرِّجْلِ، مَوَّارَةُ اليَدِ
وقيل: الأَصْهَبُ من الإبل الذي يخالط بياضه حمرة. وربما كان هذا هو سبب تسمية الصهباء بهذا الاسم؛ لأنها جبال نارية تمثل جزءاً من جبال الحجاز ذات الصخور النارية المتحولة باللون الأحمر، وكأنما نبتت في بحر من الحمم البركانية السوداء، وإلى الشرق منها (قرقرة ثبار) قاع قران الذي تبلغ مساحته حوالي تسعة كيلومترات مربعة، في حين تبلغ الجبال حوله مساحة حوالي 35 كيلومتراً مربعاً. ولا تعرف اليوم إلا باسم عطوة، ولا يكاد أحد يعرف الصهباء إلا من يبحث في تاريخ غزوة خيبر، حيث ورد ذكرها كثيراً في كتب السير.
وجبال الصهباء أحد الشواهد الحية التي تختزن العديد من الأحداث التي وقعت في غزوة خيبر، إذ وردت اسمها في غزوة خيبر كثيراً، قال ابن إسحاق: «وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عِصْر، فبُنِىَ له فيها مسجد، ثم على الصهباء، ثم أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجيشه حتى نزل بواد يقال له الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم». وقد عانى الإسلام في بدايته من قبيلة غطفان وما جاورها حيث تؤلب القبائل واليهود دائماً ضد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد شاركوا الأحزاب في غزوة الخندق بالمدينة المنورة ضد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذا غزوة ذات الرقاع، وغزوة ذي أمَر، وغزوة الغابة، وغزوة خيبر كلها كانت ضد غطفان إضافة إلى مجموعة من السرايا.
كما ورد الصهباء في الأحاديث، منها ما روى البخاري بسنده عن سويد بن النعمان قال: «أنه خرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام خيبر، حَتى إِذَا كَانُوا بِالصهبَاءِ، وَهِيَ أَدنَى خَيبَرَ فَصَلى العَصرَ، ثُم دَعَا بِالأَزوَادِ، فَلَم يُؤتَ إِلا بِالسوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُريَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ- وَأَكَلنَا، ثُم قَامَ إِلَى المَغرِبِ، فَمَضمَضَ وَمَضمَضنَا، ثم صلى المغرب.. وعند الواقدي أنه صلى العشاء أيضًا في الصهباء. وقد بني في مصلاه مسجد يسمى لاحقاً مسجد الصهباء، حيث ذكر الإمام السمهودي في تاريخه وفاء الوفا من مساجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد اندثرت آثار المسجد قريباً، (وقاسها الباحث الفايدي فوجد بأن المسجد على مسافة خمسة أكيال تقريباً من خيبر (القديمة).
وهذا يعني أنه لما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر كان أول ما وصل إلى الصهباء، صلى بها العصر، وتناول بعض الطعام، وكان طعامه -صلى الله عليه وسلم- (السويق والتمر) أكل منه مع أصحابه، وذلك بعد صلاة العصر، ثم قام فصلى بالناس المغرب ولم يتوضأ، ثم صلى بهم العشاء، كل ذلك قبل أن يتحدث عن خطته التفصيلية في فتح خيبر، فبعد أن صلى العشاء أتى بالأدلاء (حسيل بن خارجة الأشجعي وعبدالله بن نعيم الأشجعي)، وعندها فقط وفي تلك اللحظة أعلن عن نيته، كيف يود أن يأتي خيبر ليغير على حصونها فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحسيل: امض أمامنا حتى تأخذنا صدور الأودية، حتى نأتي خيبر من بينها وبين الشام، فأحول بينهم وبين الشام وبين حلفائهم من غطفان. فقال حسيل: أنا أسلك بك. فانتهى به إلى موضع له طرق، فقال له: يا رسول الله، إن لها طرقاً يؤتى منها كلها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: سمها لي! وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحبّ الفأل الحسن والاسم الحسن، ويكره الطيرة والاسم القبيح. فقال الدليل: لها طريق يقال لها حزن. قال: لا تسلكها! قال: لها طريق يقال لها شاش. قال لا تسلكها! قال: لها طريق يقال لها حاطب. قال: لا تسلكها! قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ما رأيت كالليلة أسماء أقبح! سم لرسول الله! قال: لها طريقٌ واحدةٌ لم يبق غيرها. فقال عمر: سمها. قال: اسمها مرحب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم اسلكها! قال عمر: ألا سميت هذا الطريق أول مرة!
***
المراجع:
وفاء الوفا للسمهودي، المناسك للحربي، المغازي للواقدي، السيرة النبوية للهشام، معجم معالم الحجاز للبلادي، أرض مدين تأليف: هاري سانت جون فيلبي ( عبد الله فيلبي )، غزوة خيبر دراسة علمية توثيقية للدكتور/ تنيضب الفايدي والأستاذ/ صيفي عيسى الشلالي، خيبر الغزوة المحافظة السياحة للدكتور/ تنيضب الفايدي.