أحمد بن محمد الغامدي
لم يعد السؤال اليوم: هل تستطيع المملكة قيادة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة؟ فقد أجابت عن هذا السؤال عملياً عبر مبادراتها الرائدة، وفي مقدمتها «السعودية الخضراء»، و»الشرق الأوسط الأخضر»، وتبنيها مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون الذي تحول من مبادرة سعودية إلى إطار عالمي اعتمدته مجموعة العشرين، أما السؤال الحقيقي الذي تفرضه المرحلة المقبلة فهو: كيف نحول هذه الريادة الدولية إلى صناعة وطنية متكاملة، يقودها القطاع الخاص، وتصبح أحد أهم محركات الاقتصاد السعودي؟
وانطلاقاً من النجاحات التي حققتها المملكة في هذا المجال، أتشرَّف بأن أضع بين يدي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، عدداً من الرؤى والمقترحات التي قد تدعم هذه المسيرة، وتسهم في فتح آفاق جديدة للاقتصاد الأخضر في المملكة.
أولاً: شراكة وطنية للتقنيات النظيفة: الحاجة اليوم إلى برنامج وطني يجمع الجهات الحكومية، والصناديق التنموية، والقطاع الخاص، والجامعات ومراكز الأبحاث، لتطبيق التقنيات التي أثبتت نجاحها عالمياً عبر مشاريع نموذجية داخل المملكة، فالابتكارات لا تتحول إلى صناعات إلا عندما تجد من يتبناها.
ثانياً: التحول الأخضر لقطاع النقل: يعد قطاع النقل والخدمات اللوجستية من أكثر القطاعات استهلاكاً للطاقة، ولذلك يمكن أن يكون نقطة الانطلاق نحو اقتصاد منخفض الكربون، عبر إنشاء محطات ذكية لإنتاج وتوزيع الهيدروجين الأخضر والطاقة الكهربائية، ودعم تشغيل وتصنيع الشاحنات والحافلات العاملة بالطاقة النظيفة.
ثالثاً: مجمعات خضراء لتحلية المياه: تتجاوز التقنيات الحديثة مفهوم محطات التحلية التقليدية إلى مجمعات إنتاج متكاملة توفر مياه الشرب، ومياه الري، والهيدروجين الأخضر، والأكسجين الطبي والصناعي، إلى جانب منتجات أخرى ذات قيمة اقتصادية.
رابعاً: تمويل التطبيق قبل التوسع: يبقى التمويل الحلقة الأهم في تحويل الأفكار إلى مشاريع، ولذلك فإن إنشاء برنامج وطني لتمويل النماذج التطبيقية، وربط المستثمرين بحاضنات ومسرعات الأعمال المتخصصة في التقنيات الخضراء والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، سيختصر الطريق نحو بناء شركات وطنية قادرة على المنافسة.
معالي وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية.. لقد أثبتت المملكة قدرتها على قيادة المبادرات العالمية في مجال الاستدامة، واليوم تمتلك فرصة تاريخية لقيادة مرحلة أكثر تأثيراً، عنوانها تحويل هذه المبادرات إلى مشاريع وطنية وصناعات متقدمة، يقودها القطاع الخاص، وتنعكس آثارها على الاقتصاد، والبيئة، وجودة الحياة.
وأنتم أهلٌ لذلك؛ فالثقة الملكية الغالية التي أولتكم قيادة هذا القطاع الحيوي لم تأتِ إلا إيماناً بما تملكونه من خبرة ورؤية وقدرة على صناعة التحول، ونحن على يقين بأن المرحلة المقبلة ستشهد -بإذن الله- خطوات نوعية جديدة تعزِّز ريادة المملكة في الطاقة النظيفة، والاقتصاد الدائري للكربون، وتوطين التقنيات المتقدمة.