عبدالله سعد الغانم
«الدَّيانُ لا يموت» «كلُّ ساقٍ سيُسقى» «كما تدين تُدان» ثلاث عبارات بل ثلاث حكم تحمل درسًا مهمًا من دروس الحياة التي نعيشها لو عقلها كل واحدٍ منا لحسب ألفَ حسابٍ لكلِّ خطوةٍ يخطوها في حياته وخصوصًا فيما يتعلق بحقوق الآخرين فكما رأينا وسمعنا عن أولادٍ كانوا مثالاً في البر فكافأهم الله بذرية صالحة تبرُّهم كما برُّوا آباءهم والعكس كذلك من أذاق والديه العقوق والنكران والجحود أذاقه أولاده ما أذاق والديه وغيرها من مواقف البر وصنائع المعروف التي يقدمها الإنسان في حياته يجد مكافأةً ربانيةً وإن طال بها الزمن بل وقد تأتيه وهو في أمسِّ الحاجة إليها ويندرج تحت هذا التعامل الأخلاقي مع الآخرين فمن تعامل بالحسنى مع الناس عاملوها بالحسنى ومَنْ أساء نال جزاء إساءته وخلال مشوار الدراسي والتدريسي حصل معي موقفان في هذا الشأن فالأول : حينما كنتُ في الصف الثاني الابتدائي كان معلمنا في مادة الكتابة- عفا الله عنه- يكلفنا بكتابة القطعة خمسة مرات مضبوطةً بالشكل وهو معلمٌ شديدٌ عُرِف عنه العقاب بالضرب بالعصا وكنا نحن الصغار نخاف منه خوفًا شديدًا وذات يوم كلَّفنا بهذا الواجب وأهملتُ أداءه في النهار حتى أقبل الليل فطلبتُ من أمي - رحمها الله - أن تشفع لي عند أخي الأكبر مني وهو يدرس في الصف الخامس الابتدائي أن يكتب عني الواجب حتى أسلم من عقاب المعلم في الغد فكتبه عني - جزاه الله خيرًا- وفي الصباح اطَّلع المعلم على الواجب فاكتشف أنَّ الخط ليس خطي فسألني صارخًا في وجهي من كتب لك؟ فاعترفتُ مباشرةً فطلب مني إحضار أخي الأكبر من فصله وحين أتى ضربنا جميعًا - غفرالله له - ثم تمضي السنون
التي تقارب العشرين سنة ويكتب الله أن يعود هذا الموقف مع أحد أبنائه وأنا معلم حيث طلبتُ من الطلاب كتابة موضوع إنشائي في البيت وحين أحضر الطلاب دفاترهم وصل الدور على دفتر ابن معلمي في الابتدائية وكنتُ أعرف خطَّه فابتسمت وعادت بي الذاكرة إلى الصف الثاني الابتدائي وما نالني من عقاب من والده فسألتُه مَنْ كتب لك الواجب؟
فأجاب ابن الجيران وهو من أقاربه وسمَّاه لي وكان ابن الجيران هذا في نفس مدرستنا ولكنه يدرس في الصف الثالث الثانوي وقلتُ لابن معلمي لن أفعل معك كما فعل أبوك معي ولكني سأسامح وطلبتُ منه إعادة كتابة الموضوع مرةً أخرى ويكتب الله أن يزورنا والده ( معلمي في الابتدائية) وذكّرتُه بالموقف فضحك- حفظه الله- وطلب مني المسامحة وللحق فإنَّ له فضلاً كبيرًا علينا حيث أعاننا - جزاه الله خيرًا - ونحن في سنٍ مبكرةٍ على الكتابة وكان لتكليفه لنا بكثرة الكتابة على ثقلها علينا في تلك السن الصغيرة عاقبةً حميدةً عرفناها حين كبرنا حيث سلامة كتابتنا وجمال خطوطنا ولله الحمد والمنة
أما الموقف الثاني: فقد كان أثناء دراستي في الصف الأول الثانوي حيث كان من عادة معلم الأحياء وهو من الجنسية السودانية - عفا الله عنه - أن يراجع معنا الدرس السابق في اليوم الجديد حيث أوقفني ذات يومٍ أمام زملائي وسألني عن أحد علماء الخلية واسمه فيما أذكر شلايدن فأجبتُ ناطقًا اسمه بلهجتنا الدارجة وليس بالنطق الأعجمي فضحك وأضحك الطلاب عليَّ فأثَّر هذا الموقف في نفسي وكرهت حضور درسه بعد ذلك حيث كنتُ إذا دخل علينا الفصل أخرج مباشرةً وبقيتُ على هذه الحال أيامًا ولكنه تعامل معي بحكمة وقدَّر ظروف سن المراهقة - جزاه الله خيرًا- حتى عدتُ إلى الفصل
ثم تمضي الأعوام تلو الأعوام ويكتب الله أن أكون معلمًا في المرحلة الثانوية ويمر بي طالب كنتُ أعامله باحترام ولكن لم يقدِّر معاملتي الطيبة له فأساء الأدب فعاقبتُه بإهماله والإعراض عنه فتضايق كثيرًا وما كان منه إلا أن فعل معي كما فعلتُ مع معلمي معلم مادة الأحياء فتعجبتُ كثيرًا حيث يخرج من الفصل بعد دخولي مباشرةً ولم أتضايق أو أتذمر من صنيعه وإنما عذرتُه لسنِّهِ وظروف مراهقته وصدق الله القائل {كذلك كنتم من قبلُ فمنَّ الله عليكم } وقد استمرَّ الطالب على هذا الصنيع أيامًا حتى بلَّغتُ إدارة المدرسة لينظروا في موضوعه كي لا يحرم في المادة وفعلاً بفضل الله ثم بجهود الإدارة عاد إلى فصله وحضر الدروس كما كان من معلمه أيام مراهقته .
هي ذكرياتٌ مختزنةٌ في الذاكرة فيها عبرة ولعلَّ من أبرز أسباب احتفاظ الذاكرة بها قيمة وقوة وأثر هذه العبارات الثلاث الشهيرة «الديان لا يموت» «كل ساقٍ سيُسقى» «كما تدين تُدان».