مهدي العبار العنزي
تظل بلاد الحرمين الشريفين – حرسها الله – هي المنارة التي يستمد منها العالم الإسلامي قيم التسامح والاعتدال، واليد التي تمتد دائماً بالخير والاحتواء، والحكمة التي تتسامى عن الصغائر سعياً للم الشمل وحقن الدماء. غير أن هذا التسامح العظيم والأناة المعهودة لا ينبغي بحال من الأحوال أن يُقرأ خطأً على أنه ضعف، أو أن يُفسر التغاضي على أنه تهاون؛ فالحلم عندما يُقابل بالتمادي، يتحول إلى حزمٍ يقطع دابر المعتدين.
إن التاريخ يشهد أن المملكة العربية السعودية ما كانت يوماً بدّاءة بعدوان، ولا ساعية لفتنة، بل كانت ولا تزال ركيزة الاستقرار والسلام والأمان في المنطقة والعالم.
إن صبر هذه البلاد على التجاوزات والاستفزازات، والحرص على خيارات السلام، ينطلقان دائماً من موضع قوة وشجاعة، ورؤية حكيمة تراعي مصالح الشعوب وحرمة الجوار، وتُعلي صوت العقل فوق طيش الشعارات. غير أن على الجميع أن يدركوا حقيقة جلية لا تقبل اللبس: إن أمن الوطن، وسيادة أراضيه، وسلامة مقدساته ومواطنيه، هي خطوط حمراء لا تقبل المساومة ولا المزايدة، ودونها تُبذل الأرواح وتُرخص الدماء.
وهنا يبرز سؤال مرير يفرض نفسه على الوجدان: هل هذا التجاوز والعدوان هو ما نستحقه من الأشقاء؟
هل يُجازَى من فتح أرباضه، وبسط يده بالدعم والمساندة، وسكب وداده ودماء أبنائه ليكون عضداً وسنداً لأشقائه في أحلك الظروف، بهذه الطعنات والاستفزازات؟ إن بلاد الحرمين لم تتوانَ يوماً عن نصرة قضايا أمتها، ولم تبخل بمال أو موقف لإقالة العثرات ولمّ الشعث، ليكون الجفاء والارتهان للأعداء هو الرد!
إن غرس الخير لا يُقابَل بالشر، وحفظ الجميل شيمة الأوفياء، أما نسيان المعروف والانسياق خلف أجندات الهدم، فإنه إساءةٌ قبل أن تكون للغير، هي إساءةٌ للتاريخ والأخوة ولروابط الدين والجوار.
إن الارتهان للأجندات الإقليمية الخبيثة والاندفاع خلف الأوهام الخارجية هو الرهان الخاسر الذي يعمي الأبصار عن الحقائق الميدانية والتاريخية.
إن تمادي مليشيا الحوثي وتجاوزات فصائل الحشد، ومن يسير في ركابهم ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات في أيدي أعداء الأمة، لم يجلب لشعوبهم ومناطقهم سوى الدمار والفقر والارتهان، ولن ينال أبداً من ثبات هذه البلاد الشامخة أو يزعزع استقرارها.
إن من يظن أن أناة بلاد الحرمين وسعيها للحلول السلمية فرصة للتطاول واهمٌ وساقطٌ في شر أعماله؛ فالحِلم له حد، والأناة لها مدى، والصبر إذا استُغل بالعدوان والصلف تحول إلى نار تُحرق كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن هذه الأرض الطاهرة.
لقد أثبتت التجارب والأحداث، قديماً وحديثاً، أن يد المملكة طائلة وقادرة، وأن حماة الدار ورجالها الأشاوس يقفون بالمرصاد لكل مغامر، وأن كل مخطط يستهدف هذه البلاد العظيمة يرتد على أصحابه خسراناً ومذلة، فتتحطم كل أوهامهم على صخرة التلاحم الصلبة بين القيادة والشعب.
ستبقى بلاد الحرمين الشريفين، بفضل الله ورعايته، ثم بحكمة قيادتها الرشيدة، وبسالة رجال أمنها وقواتها، ووحدة شعبها الوفي، حصناً منيعاً وعصياً على كل طامع أو حاقد.
إن التسامح هو نهج الأقوياء وخيار الكبار، ولكن حين يُستهدف الوطن وتُمس سيادته، يُخرس صوت المهاترات، ويتكلم الحزم بلسان لا يعرف التردد.. فللصبر حدود، وللوطن حماة لا ينامون!