محمد بن عبدالله العتيق
حين يُكتب تاريخ التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مختلف القطاعات، فإن قطاع الرياضة سيقف شاهدًا على واحدة من أكبر عمليات التطوير التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، فهذا التحول لم يكن وليد قرارات عابرة أو اجتهادات مؤقتة، بل جاء ضمن مشروع وطني متكامل يقوده سمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله -، الذي جعل الرياضة أحد المحاور الرئيسة في رؤية السعودية 2030، إدراكًا لما تمثله من قيمة اقتصادية واجتماعية وتنموية، ولما تملكه من قدرة على تعزيز جودة الحياة، وصناعة الإنجاز، وبناء صورة المملكة على الساحة العالمية.
ومن هذا المنطلق، انطلقت منظومة متكاملة لتطوير القطاع الرياضي، شاركت فيها جهات الدولة المختلفة، كلٌّ وفق اختصاصه، وفي مقدمتها وزارة الرياضة، وصندوق الاستثمارات العامة، وبرامج التطوير والاستقطاب، لتعمل جميعها بتناغم نحو هدف واحد، يتمثل في بناء رياضة سعودية حديثة، قادرة على المنافسة عالميًا، وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا للأندية والرياضيين والجماهير، وذلك في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تشمل مختلف قطاعات الدولة، وتعمل جميع الوزارات والجهات الحكومية على تحقيقها بتكامل وانسجام.
ولم يكن هذا المشروع موجهًا لخدمة نادٍ بعينه، أو فئة دون أخرى، بل جاء لخدمة الرياضة السعودية بأكملها، انطلاقًا من مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، وهو ما انعكس بوضوح على ارتفاع مستوى المنافسة، واستقطاب نخبة من نجوم العالم، وتطوير المنشآت الرياضية، واستضافة أكبر البطولات القارية والدولية، حتى أصبحت المملكة اليوم لاعبًا رئيسًا في صناعة الرياضة العالمية.
وبعد هذا التحول الكبير، يبرز سؤال مشروع: هل من الإنصاف أن تتحول بعض الإخفاقات الإدارية داخل الأندية إلى منصة للتشكيك في مشروع وطني، أو التقليل من الجهود الكبيرة التي بُذلت لتحقيق هذه النقلة التاريخية؟
إن النقد المسؤول حق مشروع، بل هو أحد أهم وسائل التطوير، لكنه يختلف تمامًا عن إطلاق الاتهامات، أو التشكيك في عدالة البرامج الوطنية، أو تحميل الجهات الداعمة مسؤولية أخطاء لا تقع ضمن اختصاصها.
لقد أسهمت برامج تطوير القطاع الرياضي، وما صاحبها من دعم واستثمارات، في استقطاب نخبة من أبرز اللاعبين والمدربين على مستوى العالم، وهي أسماء لم يكن كثير من الأندية يتوقع أن تراها في ملاعبه قبل سنوات قليلة، كما أسهمت في رفع القيمة الفنية للدوري السعودي، وتعزيز حضوره عالميًا، وتطوير البنية التحتية الرياضية، واستضافة بطولات كبرى رسخت مكانة المملكة على خارطة الرياضة الدولية.
كما ساعدت هذه البرامج على تجاوز كثير من التحديات التي كانت تواجه عددًا من الأندية، ووفرت لها فرصًا واسعة للنمو والتطور، غير أن نجاح أي نادٍ أو تعثره يبقى مرتبطًا في المقام الأول بقراراته الإدارية والفنية، وبقدرته على استثمار الإمكانات المتاحة له، ومن ثم، فإن تحميل الجهات الداعمة مسؤولية كل إخفاق إداري أو فني لا يعكس الصورة الكاملة، ولا ينسجم مع واقع العمل الرياضي.
ومن المهم أيضًا التأكيد على أن المنافسة الحقيقية لا تكتمل إلا في ظل الثقة بالمؤسسات الرياضية، واحترام الأنظمة، وإدراك أن تطوير الرياضة مشروع وطني يستهدف جميع الأندية دون استثناء، وليس طرفًا على حساب آخر، وقد أثبت الواقع أن مستوى التنافس ارتفع بصورة غير مسبوقة، وأن جميع الأندية أصبحت تمتلك فرصًا أكبر للمنافسة وتحقيق الإنجازات، وهو ما يعكس عدالة النهج الذي تسير عليه منظومة الرياضة السعودية.
أما الخطاب الذي يقوم على الانفعال، أو يفسر كل قرار بمنطق التعصب، أو يوجه الإساءة للمسؤولين دون دليل، فإنه لا يخدم الرياضة، ولا يعزز ثقافة المنافسة، بل يكرس الاحتقان ويصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية لأي إخفاق، والتي تبدأ غالبًا من داخل النادي نفسه.
إن الرياضة السعودية اليوم تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق أحد أهم مستهدفات رؤية 2030، والمتمثل في بناء دوري سعودي يعد من بين أفضل الدوريات في العالم، وهي غاية لا تتحقق إلا باستمرار العمل المؤسسي، وتقدير الجهود، وتعزيز ثقافة النقد المسؤول الذي يبحث عن الحلول، لا عن إثارة الانقسام أو التقليل من المنجزات.
وفي الختام، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن ما تحقق للرياضة السعودية هو ثمرة مشروع وطني كبير تقوده القيادة الرشيدة، وفي مقدمتها سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله -، الذي جعل الرياضة أحد أهم محاور التنمية الوطنية ضمن رؤية المملكة 2030، وأسهم في نقلها إلى مرحلة جديدة من الاحترافية والتميز والحضور العالمي، ويبقى الأمل أن يواكب الخطاب الرياضي هذا التحول بلغة مسؤولة، تُعلي من قيمة الحقيقة، وتحترم المنجز، وتجعل النقد وسيلة للبناء، لا أداة للتعصب أو التقليل من الجهود الوطنية.