سهوب بغدادي
من منا لا يحمل ذكرى عن لعبته المفضلة سواء كانت دمية جميلة أو قطارا أو طائرة، فمهما تقدم عمر الشخص ترجع به الذاكرة والذكرى إلى تلك اللحظة الأولى عندما انتصر وتمكن من إقناع والديه لشرائها، وترجع اللحظة كأنها شريط مرئي أمام عينيك، بنفس الشعور، إلى أن يباغتك الزمان والمكان الحقيقيان اللذان لم يعودا يشابهان زمانك ومكانك، فتحاول تعويض ذلك الشعور بالخيال أو التذكر أو حتى بإجبار أطفالك على إقتناء ذات اللعبة، فماذا لو لم تتمكن من الحصول على تلك اللعبة في صغرك؟ ستكون ذاكرتك حولها تتمحور حول مشاعر الرغبة والحرمان والشوق إليها.
وأستذكر في هذا الموضع، مقطع لسيدة سبعينية خلال يوم ميلادها، حيث قررت شقيقتها مفاجأتها بشيء لطالما أرادت أن تحصل عليه منذ الطفولة وكانت دمية كبيرة وجميلة اشتهرت خلال فترة طفولتها، إلا أنها لم تتمكن من الحصول عليها نظرًا لغلاء سعرها مقارنة بالدمى الأخرى، وبطريقة لطيفة قدمت لها شقيقتها تلك الهدية مغلفة بألوان زاهية، وأزالت التغليف عنها بأناملها المرهقة والمثقلة بذكريات السنين، ثم لمحت وجهًا مألوفًا لطالما تخيلته واستذكرت ملامحه قبل النوم وفي أحاديثها الشيقة مع أقرانها، فذرفت دموع الاشتياق لها منذ عقود آنفة ولهفة اللقاء التي تحققت عقبما رسمت لها خطط اللقاء المحكمة.
لقد كبرت السيدة إلا أن الذكرى بقيت معها، بلا شك، أن الألعاب والدمى تساهم في تنمية مهارات الأطفال و دعم المهارات العقلية، وتنمية القدرات الحركية، وتعزيز التواصل الاجتماعي والعاطفي خلال مراحل مختلفة من تكوينهم، وفي عصرنا الحالي المتسم بالسرعة، اختلف مفهوم اللعب والألعاب لدى الأطفال فأصبحت الألعاب إلكترونية والأقران في فناء العالم الافتراضي، قد يمزج الطفل بين اللعب التقليدي والرقمي إلا أن الهاتف والجهاز اللوحي «آيباد» سينتصر في نهاية المطاف، لقد استبدل الجهاز الدمية والسيارة التي كانت ترافق الطفل خلال خروجه من المنزل لتعطيه شعور الألفة والأمان، وأصبحت الشاشة في حضن الطفل ومصدرًا للهروب من الواقع، إن لم يكن ذلك الأمر ينطبق على الكبار على حد سواء، إنها ليست دعوة لشراء جميع ألعاب الكوكب للطفل أو إغراقه بما لا يلزم، كما إنها ليست انتقادًا للحيز الذي تتخذه الأجهزة الإلكترونية في حياتنا اليوم، بل مجرد خاطرة عابرة انطلقت من مشهد معبر وواقع مغاير لما كنا عليه.
«تُعجبني الدمى، فهي تبقى مبتسمة حتى وإن كُسرت»