أ.د.عثمان بن صالح العامر
في عالم يموج اليوم بالأزمات، وتتصاعد فيه المواجهات، يبرز النموذج السعودي الذي يتسم بالهدوء والثبات، ويتميز بالقدرة على الفصل بين ردة الفعل الانفعالية والمصلحة الوطنية المتوخاة من التصرف المترتب على الحدث أياً كان .
لقد أدرك قادتنا وولاة أمرنا حفظهم الله أن الأزمات ليست كلها سواء؛ فمنها ما يُواجَه بالحزم، ومنها ما يُعالَج بالدبلوماسية، ومنها ما يكون أفضل رد عليه هو تجاهله حتى لا يُمنح أكبر من حجمه.
وهذه الفلسفة في إدارة الأزمات ليست وليدة اللحظة، وإنما هي امتداد لمدرسة باني هذا الكيان الشامخ المملكة العربية السعودية جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله السياسية، تراكمت خبراتها عبر عقود من التعامل مع تحديات إقليمية ودولية متلاحقة لاتخافى على القارئ الكريم.
وليس جديداً القول بأنه في كل مرة ترتفع فيها حدة الخطاب السياسي أو تجري مواجهات عسكرية في محيط المنطقة، تتجه الأنظار إلى الرياض باعتبارها لاعبًا رئيسًا في معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، نادرًا ما تنجر بلادنا العزيزة المملكة العربية السعودية إلى ردود فعل متسرعة أو تصريحات انفعالية، بل تحرص على قراءة المشهد كاملاً، وتقييم المصالح، واستيعاب الرسائل المعلنة والخفية، ثم تتخذ القرار في توقيته المناسب.
وهذا النهج يعكس فهمًا عميقًا لعلم إدارة الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية ، الذي يؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس بارتفاع صوتها، وإنما بقدرتها على التحكم في قراراتها، وعدم السماح للطرف الآخر بفرض إيقاعه عليها.
فالهدوء في أوقات التوتر ليس ضعفًا، وإنما أحد مظاهر الثقة بالنفس والقدرة على إدارة الموقف، ولكن ذلك لأمد، (واتقى شر الحليم إذا غضب).
إن السياسة السعودية تنطلق من مبدأ أن امتلاك القوة يسهم في الردع وحماية الأمن الوطني والإقليمي، وأن المناورات العسكرية والتعاون الدفاعي مع الشركاء يدخلان ضمن حق الدول في تعزيز جاهزيتها.
وفي الوقت نفسه، تؤكد المملكة في بياناتها الرسمية باستمرار أهمية خفض التصعيد، والحلول السياسية للنزاعات، واحترام القانون الدولي، وهو ما يعكس سعيها إلى الجمع بين بناء القدرات الدفاعية والعمل الدبلوماسي. وقد أكدت وثائق رسمية وبيانات وزارة الخارجية ووزارة الدفاع مرارًا التزام المملكة بدعم الأمن الإقليمي والاستقرار والحلول السلمية متى أمكن ذلك.
ولعل أبرز ما يميز النموذج السعودي هو عدم السماح للأزمات الخارجية بأن تعطل مسيرة التنمية الداخلية.
ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة أحداث متسارعة، تواصل المملكة تنفيذ مشاريعها التنموية والإصلاحية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، وتستمر في تطوير الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين جودة الحياة، وكأن الرسالة تقول إن أفضل رد على الاضطرابات هو استمرار البناء.
إن الدول الكبرى لا تختبر فقط في أوقات الرخاء، وإنما في كيفية تعاملها مع لحظات التوتر. والنموذج السعودي يقدم أنموذجًا رائعاً ورائداً في أن الحكمة، والاتزان، وحساب المصالح، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، كلها أدوات لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو الإمكانات الاقتصادية.
إن إدارة الأزمات في القاموس السعودي ليس في الرد السريع فحسب، بل في فن اختيار الرد المناسب، في الوقت المناسب، وبالوسيلة المناسبة.
وعندما تجتمع الحكمة مع وضوح الرؤية، والثقة بالنفس مع المحافظة على المصالح الوطنية، تصبح الدولة أكثر قدرة على تجاوز الصراعات، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، حفظ الله وطن العز، ووفق قيادتنا العازمة الحازمة، ونصر جنودنا البواسل ، وحمى أرضنا وديارنا، وأدام قوتنا وعزنا، وأبقى لحمة الوطنية وتراص صفنا الشعبي خلف ولاة أمرنا أدامهم الله، ووقانا شر من به شر ، دمتم بخير وأمن وأمان، وإلى لقاء والسلام.