حسن بن مريّع
تمرّ علينا لحظات يشعر فيها الشخص بأنه استُنزف وتعب من كثرة ما يقدمه للآخرين؛ حيث يحس في نهاية المطاف بالخذلان والألم، وكأنه يصب مشاعره واهتمامه في بئر بلا قاع.
ذكرتُ هذا يوماً لشيخٍ وقور — يقضي كثيراً من وقته مغمضاً عينيه وكأنها قد تشبَّعت من هذا العالم الذي لم يعد يبهرها — فنظر إليّ برفق، نظرةً تشعرني بأن بيني وبينه مئة وخمسون عاماً، ثم قال: «كل هذا بسبب فقدان الحب، لعلّك كنت يوماً ما من ضحايا مفاهيم الحب الملوثة. الحب يا بني ليس تضحية عمياء تلغي فيها نفسك، وتدمر بها ذاتك من أجل الآخرين، إنه معادلة بسيطة من شقين، هما: (الشعور بالانتماء + تمنّي الخير)».
ثم أطرق قليلاً، وقال وهو مغمض عينيه، وكأنه بدأ يخاطبني من عالم آخر: «إن تمني الخير هو فعل قلبي خالص، ونية صافية، تعيش داخل وجدان الإنسان، وهي حالة طيبة ومطلقة ليست موجّهة لشخص بذاته، بل هي طاقة نقية تشعر بها في قلبك، تتمنى فيها الخير أيّاً كان، لكل أحد أيّاً كان، ولكل شيء أيّاً كان، في نفس اللحظة، ليكون هذا التمني هو نبعك الصافي الداخلي. أما الشعور بالانتماء، فهو الجانب التشاركي مع الآخرين، أي أنه هو علاقتك الحية وتواصلك وتفاعلك اليومي مع الناس والمحيطين بك، وعندما يلتقي هذا النبع الصافي الداخلي النابع من أعماقك مع تواصلك الطيب مع العالم الخارجي، يمتلئ خزانك النفسي والروحي بوقود الأمان والاستقرار الحقيقي».
لقد كان حديثه أشبه بمعزوفة تتراقص لها شرايين قلبي، ومن هذه النقطة بالذات، أخذني ذلك الشيخ إلى عمق الفكرة، فسمّاها (نظرية الكأس المثقوب) لكي يرتب لي فوضى مشاعري، ثمّ قال لي: «تخيل أن في داخلك خزاناً كبيراً وعميقاً يمثل حبك وتقديرك لنفسك واكتفائك الذاتي، وفوق سطح هذا الخزان كؤوس صغيرة تمثل علاقاتك بكل شيء؛ كأس يمثّل علاقتك بالأهل، وآخر يمثّل الأصدقاء، وآخر يمثّل العمل، وغيره يمثّل الغذاء، وهكذا… وكل هذه الكؤوس مثقوبة من الأسفل لكي تتصل بك وبخزانك، ولكنها ليست مصممة لتملأه، إنما لتضيف على حياتك الجمال والنكهة والبهجة، تماماً مثل أوراق النعناع أو قطرات ماء الورد التي تغير طعم الماء وتجعله لذيذاً، لكنها لا تقطع الظمأ إذا كان خزانك فارغاً من الماء.
أنت من يجب أن تملأ خزانك بالحب الذي وصفته لك، لكي تستطيع أن تتذوق ما في الكؤوس…
إن ما تشعر به يا بني إنه التعلق؛ فعندما تهمل خزانك الداخلي وتتركه بلا معاهدة ورعاية، فكأنك كشفت عنه الغطاء ليتبخر ويجف، فتسقط نكهات الكؤوس على طين القاع الجاف، فتتحول فوراً إلى مرارة وألم، لأنك بذلك تطلب النكهة وأنت تموت عطشاً، فتكون بذلك حملاً ثقيلاً ينفر الناس منه.
وحين يكون خزانك ممتلئاً فستمتلئ أنت بالرضا والراحة، وتطفو الكؤوس فوق السطح بسلاسة، وتستمتع بجمال العلاقات دون أن تربط سعادتك أو قيمتك بأحد أو بشيء». فانتهزت الفرصة وسألته على خجل عن الأعداء والمسيئين، فقال بابتسامة يملؤها السكون: «إن هؤلاء في منظومة الحياة بمثابة عمال الصيانة لروحك، يمسكون لك مرآة قاسية تكشف الثغرات والشقوق في خزان نفسك لتصلحها فتنضج، إنهم من نعم الله، فقد سخّروا أنفسهم لتقييمك ومتابعتك بلا مقابل، بينما أنت بنيّتك الطيبة وتمنيك الخير للجميع تبثّ النفع لنفسك ولكل العالم من حولك».
ثم وضع يده على كتفي متكئاً برفق وقام ليغادر، وهمس في أذني: «إذا عرفتَ الآن بوضوح بأن كؤوس الآخرين في حياتك مثقوبة من الأسفل لتصب النكهة والألوان في خزانك، فما هو الثقب الخفي في قاع خزانك أنت، والذي ما زلتَ تسمح له بتسريب مياهك، وتظن طوال هذه السنين أن الآخرين هم من يسرقونها منك؟».