د.عبدالرحيم محمود جاموس
لا يُعد الاتفاق الأمريكي – السعودي للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية مجرد خطوة في مجال الطاقة، بل يمثل تطورًا يستحق التوقف عند دلالاته السياسية والاقتصادية والإستراتيجية. غير أن قراءة هذا الاتفاق تقتضي قدرًا من التوازن؛ فلا يُنظر إليه باعتباره تحولًا حاسمًا يعيد تشكيل الشرق الأوسط، ولا يُختزل في كونه اتفاقًا تقنيًا محدود الأثر. فالأرجح أنه يعكس اتجاهًا جديدًا في طبيعة الشراكة بين الرياض وواشنطن.
يأتي الاتفاق في مرحلة تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الدولية، وباحتدام المنافسة بين القوى الكبرى في مجالات التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية شريكًا يصعب تجاوزه، ليس فقط بحكم مكانتها في أسواق الطاقة، وإنما أيضًا لدورها المتنامي في الاقتصاد العالمي، وثقلها السياسي والإقليمي، وما تنفذه من برامج تحول اقتصادي ضمن رؤية 2030.
ومن هذا المنظور، ينسجم البرنامج النووي السلمي مع أهداف التنمية السعودية، إذ يسهم في تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على النفط في إنتاج الكهرباء، ودعم تحلية المياه، وتوطين التقنيات المتقدمة، وبناء كوادر وطنية في مجالات علمية وصناعية ذات قيمة مضافة. كما يفتح آفاقًا للتعاون في البحث العلمي، ونقل المعرفة، والاستثمار في الصناعات المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الاتفاق يعكس رغبة في ترسيخ شراكة طويلة الأمد مع دولة محورية في المنطقة، في وقت تتسع فيه دائرة المنافسة الدولية على النفوذ الاقتصادي والتقني. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره جزءًا من تطوير أدوات الاستثمار والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي.
ولا يمكن إغفال أن نجاح الاتفاق قد يشجع على توسيع مجالات التعاون بين البلدين في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات عالية القيمة، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. كما قد يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للاستثمار والابتكار والطاقة، إذا اقترنت هذه المشروعات بنقل المعرفة، وتوطين التقنية، وبناء القدرات البشرية.
ومن الناحية القانونية، ينسجم التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية مع المبادئ التي أرستها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والتي تقر بحق الدول في تطوير برامج نووية سلمية، مع الالتزام بالضمانات الدولية وإجراءات الرقابة التي تكفل الطابع السلمي لهذه البرامج.
وفي المحصلة، يمثل الاتفاق النووي الأمريكي – السعودي مؤشرًا على تطور في طبيعة العلاقات بين البلدين، كما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو شراكة أوسع تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار، دون أن تلغي الأسس التقليدية للعلاقة.