إيمان حمود الشمري
تفتح الطرد بحماس يشبه انتظار طفل لهدية، ثم بعد دقائق معدودة، يهبط ذلك الحماس فجأة كأن أحدًا سحب طاقتك، تنظر إلى الشيء الذي بين يديك، فلا تجد فيه ما كنت تتخيل! تسأل نفسك: «لماذا اشتريت هذا أصلًا؟» فلا يأتيك جواب مقنع، فقط رغبة عابرة كانت تلحّ عليك قبل ساعات، وبدت حينها كأنها ضرورة لا تحتمل التأجيل .... يبدأ الندم هادئًا في البداية، مجرد وخزة خفيفة في الصدر، ثم يتضخم كلما تذكرت الرقم الذي خرج من حسابك، تفتح تطبيق البنك بيد مترددة، وكأنك تخشى مواجهة رقم تعرفه سلفًا، تتذكر فجأة كل الأشياء الأخرى الأكثر أهمية التي كان يمكن أن يذهب إليها ذلك المبلغ: فاتورة مؤجَّلة، أو مبلغ كان يُفترض أن يُضاف إلى مدخراتك، أو حتى مجرد راحة بال كنت تحتاجها أكثر من أي غرض، تشعر بشيء أشبه بالخيانة الذاتية، وكأنك أنت من خذلت نفسك، وليس شخصًا آخر. تلوم لحظة الضعف تلك التي جعلتك تصدّق أن هذا الشيء سيغيّر شيئًا في حياتك، بينما هو الآن مجرد غرض صامت في زاوية الغرفة، بعد أسبوع سيصبح شيئاً قديماً، غرضاً يذكّرك بلحظة اندفاع لم تُحسن مقاومتها، وما يزيد علّتك عندما تكتشف أن دولابك ممتلئ بأشياء مشابهة لم ترتدها، وأن الأدراج تعج بأدوات لم تستخدمها سوى مرة واحدة.
لم يكن هذا النهم بهذه الحدة قبل أن تدخل وسائل التواصل الاجتماعي إلى تفاصيل حياتنا اليومية، فقد حوَّلت هذه المنصات حياتنا إلى معرض دائم للمقارنات، فحين يُصوَّر شخص أمام رفوف مكدّسة بالحقائب والأحذية «أجلكم الله»، لا يُقدَّم المنتج فقط، بل يُقدَّم مشهد الوفرة والرفاهية كأسلوب حياة مرغوب وجاذب.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تقاوم تلك الرغبة وتصمد أمام هوس الشراء؟ العلاج لا يبدأ بالحرمان القسري، بل بإعادة صياغة علاقتنا بالاستهلاك من جذورها! أجّل قرار الشراء حتى لو كنت تتمشى في أحد المجمّعات التجارية، تجاهل السلعة وأكمل السير، لأنك ستكتشف أن تعلقك قد قل بعد وقت قليل، اسأل نفسك: هل أحتاج هذا فعلًا، أم أريد أن أشعر بشيء معين؟ لأن أغلب مشترياتنا رغبة وليست احتياج.
قلل متابعتك لمشاهير التواصل لأنها تغذِّي المقارنة والشعور بالنقص، وذكّر نفسك بأن قيمتك لا تُقاس بما تملك، بل بما أنت عليه فعلًا.
ففي النهاية، ليست المشكلة في الشراء بحد ذاته، فهو احتياج فطري طبيعي، وإنما الخلل حينما نفقد بوصلتنا الداخلية ونترك للآخرين أن يقرروا نيابة عنا ما الذي يستحق أن نقتني! فالحرية الحقيقية ليست في القدرة على شراء كل شيء، بل في القدرة على أن نعرف، بصدق، ما الذي نحتاجه فعلًا لنعيش حياة تشبهنا لا حياة تُعرض للآخرين.