د. سطام بن عبدالله آل سعد
معظم الحلقات الحوارية نشاهدها كما نشاهد الأخبار اليومية؛ تمر سريعًا ثم تُنسى، بينما تتحول بعض الحلقات إلى مراجع تعيد تشكيل الوعي العام. وهذا ما فعله برنامج «سقراط» في لقائه مع الدكتور خالد العيسى، الرئيس التنفيذي لهيئة الرقابة النووية والإشعاعية في المملكة. كان لقاءً علميًا رفيعًا جاء في توقيت بالغ الأهمية، بعد أن أصبحت التقنيات النووية محورًا رئيسًا في السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية حول العالم.
ما ميّز اللقاء أنه فكك كثيرًا من المفاهيم الخاطئة التي تراكمت في أذهان الناس لعقود؛ فما زال كثيرون يربطون كلمة «نووي» بالقنابل والكوارث، في حين أصبحت الاستخدامات السلمية للطاقة والتقنيات النووية جزءًا من حياة الإنسان اليومية، في الطب وتشخيص الأمراض وعلاجها، والزراعة، والصناعة، وتحلية المياه، وإنتاج الكهرباء، وحفظ الأغذية، والبحث العلمي. لهذا تستحق الحلقة أن تُعامل بوصفها مادة علمية ومعرفية قادرة على تصحيح الثقافة العامة، وتعزيز فهم هذا القطاع بعيدًا عن التصورات الخاطئة التي كرّستها الأفلام والصراعات السياسية.
وقدّم الدكتور خالد العيسى نموذجاً للقيادة العلمية والإدارية؛ إذ جمع بين العمق العلمي والقدرة على تبسيط المعرفة مع الحفاظ على دقتها، فجاء حديثه موثقاً ورصيناً، يعكس حجم الخبرة التي تمتلكها المملكة في هذا المجال، ويؤكد أن البرنامج النووي السعودي يسير وفق أعلى معايير السلامة والرقابة والالتزام الدولي.
والأهم أن الحلقة تثير سؤالًا يستحق النقاش داخل الجامعات ووزارة التعليم: هل حان الوقت للتوسع في تدريس التطبيقات السلمية للتقنيات النووية، خصوصًا بعد توقيع اتفاقية التعاون النووي المدني بين المملكة والولايات المتحدة في يوليو 2026، الممتدة لثلاثين عامًا، والتي تتيح مشاركة الشركات الأمريكية في تطوير البرنامج النووي السعودي وفق الأطر والضوابط المتفق عليها؟ فهذا التطور يجعل بناء الخبرات الوطنية ضرورة لقطاع يتشكل اليوم، الأمر الذي يتطلب إعداد متخصصين في الهندسة والفيزياء والطب والبيئة والذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية والرقابة النووية، وغيرها من التخصصات العلمية ذات الصلة.
أحسب أن لقاء الدكتور خالد العيسى في «سقراط» سيتجاوز أثره حدود الإعلام إلى صناعة وعي مجتمعي أكثر نضجًا تجاه التقنيات النووية. فالمشروعات الكبرى تبدأ ببناء المعرفة والثقة والكوادر الوطنية القادرة على قيادتها، قبل أن تبدأ ببناء المفاعلات والمنشآت.