د.شريف بن محمد الأتربي
قبل سنوات كان السؤال المطروح في الأوساط التعليمية هو: كيف نطور الكتاب المدرسي؟ أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر عمقًا: هل ما زال الكتاب المدرسي، بصورته الحالية، قادرًا على قيادة عملية التعلم في عصر الذكاء الاصطناعي؟
لقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية جهودًا كبيرة في تطوير المناهج الدراسية، وتحديث المقررات، وإدماج مهارات المستقبل، وتعزيز التحول الرقمي في التعليم، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية. وهي جهود مهمة ومقدرة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكثر جوهرية: هل يكفي أن نطور محتوى المقرر، أم أن المرحلة القادمة تتطلب إعادة تعريف وظيفته؟
فالمقرر الدراسي، ورقيًا كان أو إلكترونيًا، لا يزال في معظم الأحيان يؤدي الوظيفة نفسها التي عرفناها منذ عقود؛ فهو يقدم المحتوى العلمي، ويعرض الأمثلة، ويقترح بعض الأنشطة، بينما تبدأ بعد ذلك المهمة الأصعب. إذ يترك للمعلم وحده تشخيص مستويات الطلاب، واكتشاف الفروق الفردية بينهم، واختيار الإستراتيجيات المناسبة، وتصميم الأنشطة العلاجية والإثرائية، وبناء أدوات التقويم، ومتابعة تقدم كل طالب.
وهنا تكمن الفجوة الحقيقية.
فنحن نطور المحتوى، بينما يظل تحويل هذا المحتوى إلى تجربة تعلم شخصية وفعالة رهينًا باجتهادات متفاوتة، وخبرات مختلفة، ووقت محدود داخل الصف. والنتيجة أن طالبين يدرسان المقرر نفسه قد يحققان نتائج مختلفة تمامًا، ليس لاختلاف المنهج، وإنما لاختلاف الطريقة التي وصل بها إليهما.
ولنكن دقيقين في تشخيص السبب؛ فهذه فجوة تصميمية وليست فجوة تدريبية. فلا يمكن لأي برنامج للتنمية المهنية - مهما بلغت جودته - أن يعوض غياب البنية التي تجعل التعليم المتمركز حول الطالب ممكنًا داخل صف يضم عشرات الطلاب وحصة لا تتجاوز خمسًا وأربعين دقيقة. فالمشكلة ليست أن المعلم لا يعرف كيف يطبق هذا النموذج التعليمي، بل إن أدواته اليومية لم تُصمم أصلًا لتحقيقه. وما دمنا نطالبه بتطبيق التعليم المتمركز حول الطالب باستخدام مقرر صُمم للتعليم المتمركز حول المحتوى، فإن الفجوة ستظل قائمة مهما كثرت البرامج التدريبية.
من هنا تنطلق فكرة المقرر الدراسي الذكي؛ ليس بوصفه نسخة رقمية من كتاب ورقي، ولا ملفًا إلكترونيًا يمكن تصفحه على الشاشة، بل باعتباره منظومة تعليمية حية تجمع بين المحتوى العلمي، ودليل المعلم، وأدوات التقويم، والأنشطة العلاجية والإثرائية، والموارد الرقمية، وتحليل البيانات، في تجربة تعليمية واحدة تدعم الطالب، وتساند المعلم، وتزود صانع القرار بالمعلومات التي يحتاجها لتطوير التعليم.
فالمقرر الذكي لا يكتفي بالإجابة عن سؤال: ماذا يتعلم الطالب؟ بل يساعد أيضًا في الإجابة عن أسئلة أكثر أهمية: كيف يتعلم؟ وما مستواه الحقيقي؟ ومتى يحتاج إلى تدخل علاجي؟ ومتى يصبح مستعدًا للانتقال إلى مستوى أعلى؟ وما الأنشطة التي تناسب قدراته؟ وبذلك لا يترك المعلم وحده أمام عشرات القرارات اليومية، بل يحصل على مؤشرات وتوصيات تدعمه في اتخاذ القرار التربوي المناسب.
ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟
قد يبدو هذا الطرح طموحًا، لكنه في الحقيقة يتقاطع مع ما تتجه إليه أنظمة تعليمية متميزة حول العالم.
ففي سنغافورة، لم تكتف وزارة التعليم بإنتاج مقررات جيدة، بل أنشأت منصة وطنية موحدة للتعلم، ثم أضافت إليها أنظمة تعلم تكيفي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم مسارات تعلم تختلف باختلاف مستوى الطالب وإتقانه للمهارات.
أما إستونيا، فقد ركزت على بناء منظومة رقمية مترابطة تتبادل البيانات بسلاسة بين مختلف الأنظمة التعليمية، فأصبحت البيانات جزءًا من عملية تطوير التعلم، لا مجرد تقارير إحصائية.
وفي المقابل، تقدم التجربة الكورية الجنوبية درسًا مهمًا؛ فعلى الرغم من ريادة مشروع الكتب المدرسية الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فإن التوسع السريع قبل اكتمال جاهزية الميدان أدى إلى مقاومة مجتمعية وتشريعية أعادت المشروع إلى مرحلة المراجعة. وهذا يؤكد أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يعتمد على جودة التقنية وحدها، بل على التدرج، وإشراك المعلمين، وبناء الثقة المجتمعية.
كما تقدم فنلندا وكندا نموذجًا مختلفًا يقوم على مأسسة الدعم الفردي للطالب، بحيث يصبح التدخل المبكر جزءًا من بنية النظام التعليمي، وليس اجتهادًا شخصيًا من معلم متميز.
والقاسم المشترك بين هذه التجارب جميعًا أنها لم تنظر إلى الكتاب المدرسي باعتباره المنتج النهائي، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة تعلم متكاملة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المقرر الدراسي في المملكة يمكن أن يتطور ليصبح أكثر من كتاب، وأكثر من منصة إلكترونية؛ ليصبح منظومة تعليمية متكاملة تجمع بين المحتوى، ودليل المعلم، والتقويم، والموارد الرقمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، في إطار واحد يخدم جميع أطراف العملية التعليمية.
بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك، فأرى أن المقرر الدراسي الذكي يجب أن يولد رقميًا أولًا، ثم تُشتق منه النسخة الورقية عند الحاجة، وليس العكس.
فالنسخة الرقمية ليست صورة إلكترونية من الكتاب، وإنما النسخة الحية للمقرر الدراسي، أو ما يعرف عالميًا بمفهوم التوأم الرقمي (Digital Twin). وكما أصبح لكل مصنع متقدم، ولكثير من المدن الذكية، توأم رقمي يحاكي الواقع ويتطور معه، أرى أن الوقت قد حان ليصبح لكل مقرر دراسي توأمه الرقمي الذي ينمو باستمرار مع تطور المعرفة وتفاعل المتعلمين.
فكل إجابة يقدمها الطالب، وكل مهارة يتقنها، وكل صعوبة يواجهها، تتحول إلى بيانات تساعد على تحسين تجربة التعلم، وتدعم المعلم بتوصيات فورية، وتمكن مطوري المناهج من معرفة ما يحقق أفضل النتائج وما يحتاج إلى تطوير. وبهذا لا يعود تطوير المقرر عملية موسمية تتم كل عدة سنوات، بل يصبح عملية مستمرة قائمة على الأدلة والبيانات.
كما يمكن للمقرر الذكي أن يقترح أنشطة علاجية للطالب المتعثر، وأنشطة إثرائية للطالب المتقدم، ويولد أسئلة تتناسب مع مستوى كل متعلم، ويربط الدروس بالتجارب الافتراضية، والمحاكاة، والمكتبات الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيتحول من كتاب يقرأ إلى بيئة تعلم متكاملة تتفاعل مع الطالب والمعلم في كل لحظة.
غير أن بناء هذا النوع من المقررات لن يكون مسؤولية مؤلف المنهج وحده، بل مشروعًا وطنيًا تشارك فيه فرق متعددة التخصصات تضم خبراء المناهج، والمعلمين، والمتخصصين في القياس والتقويم، ومهندسي البرمجيات، ومصممي تجربة المستخدم، وخبراء الذكاء الاصطناعي، حتى يولد المقرر منذ البداية بوصفه منظومة تعليمية متكاملة، لا كتابًا يحول لاحقًا إلى منصة رقمية.
لكن نجاح هذا التحول يتطلب أيضًا إطارًا معياريًا واضحًا، يحدد الحد الأدنى من المكونات التي يجب أن تتضمنها جميع المقررات الذكية، ويضمن حماية بيانات الطلاب، وشفافية استخدام الذكاء الاصطناعي، وبقاء المعلم صاحب القرار التربوي النهائي. فالتقنية يجب أن تكون أداة مساندة للمعلم، لا بديلًا عنه، وأن تساعده على اتخاذ قرارات أفضل، لا أن تتخذ القرار نيابة عنه.
إن أثر المقرر الذكي يتجاوز حدود الصف الدراسي؛ فهو يضيق الفجوة بين الممارسات التعليمية، ويعزز العدالة بإتاحة فرص تعلم أكثر ملاءمة لكل طالب، ويخفف العبء المهني عن المعلمين، ويمنحهم وقتًا أكبر للتوجيه والإبداع، كما يزود صانع القرار ببيانات دقيقة تساعده على تطوير المناهج والسياسات التعليمية بصورة مستمرة.
لقد قطعت وزارة التعليم شوطًا مهمًا في تطوير المناهج، وبناء المنصات الرقمية، وتوسيع استخدام التقنية في التعليم. أما الخطوة التالية، في رأيي، فهي الانتقال من تطوير الكتاب إلى تطوير وظيفة المقرر نفسه.
إنني لا أدعو إلى إصدار كتاب مدرسي جديد، بل إلى إطلاق مشروع وطني بعنوان «المقرر الدراسي الذكي»، يجعل من المقرر منصة معرفية حية تربط بين المنهج، والمعلم، والطالب، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، ضمن إطار تربوي وأخلاقي واضح، ويتطور بصورة مستمرة استنادًا إلى نتائج التعلم الفعلية.
فالدول اليوم لا تتنافس بعدد المدارس التي تبنيها، ولا بعدد الكتب التي تطبعها، بل بقدرتها على بناء أنظمة تعلم تتطور مع كل طالب. وأؤمن أن مشروع «المقرر الدراسي الذكي» يمكن أن يكون إحدى المبادرات السعودية الرائدة التي تعيد تعريف المقرر الدراسي، وتضع المملكة في موقع الريادة العالمية في تصميم الجيل القادم من المناهج التعليمية.
وحين يتحقق ذلك، لن يكون سؤالنا: متى نطور المقرر الدراسي مرة أخرى؟ بل سيكون: كيف نواصل تطوير مقرر يتعلم كل يوم؟ وعندها فقط نكون قد انتقلنا من تطوير الكتب إلى تطوير التعلم نفسه.