د. راشد بن حسين العبدالكريم
مر دورُ المعلم بتغيرات على مدى العصور، تبعا لتغير دور المدرسة أو تغير النظرة لعمليتي التعليم والتعلّم. ابتدأ المعلم بدور المركز في التعليم، وبأن يكون المتحكم في التعليم (العمليات)، وبأن يكون مصدر التعلم (المادة/ المحتوى). واستمر ذلك لأزمان طويلة. تلي ذلك بروز دور (المحتوى) - أو المادة المدرّسَة - ليكون مشاركا للمعلم في مجال التركيز. فصار على المعلم أن يتكيف مع المحتوى، الذي، عادة، قد صاغه علماء وخبراء قبله. فصارت ثورة في النصوص التعليمية والمدرسية، أي الكتب التعليمية، زحزحتِ المعلم عن مكانه (قليلا)، بحيث صار تابعا للمحتوى (الكتاب). ومع تطور نظريات التعلم ونظريات التربية المتأثرة بها، في العصر الحديث، ظهر تغير جوهري في دور المعلم والمحتوى، بحيث برز دور أكبر للمتعلم. بل صار في العقود الأخيرة هو مركز التعلم، الذي - إلى حد كبير - يدور حوله المعلم والمحتوى. فتأخر دور المعلم بدل أن كان هو المركز، ليكون منظِّما وميسرا للتعلم،بل أن كان مصدره ومركزه، والعنصر الأكثر فعالية فيه، وتأرجح دور المحتوى.
الذكاء الصناعي بإمكاناته وخدماته يمثل ثورة حقيقية في مجال التعليم والتعلم. (وأقصد بالتعليم العمليات التي يقوم بها المعلم لتوفير فرص يتفاعل الطلاب فيها مع الخبرات التي يمرون بها ويستفيدون منها في نموهم. وأقصد بالتعلّم ما يقوم به المتعلمون من عمليات داخلية أو خارجية للتفاعل مع هذه الخبرات والاستفادة منها، في ضوء أهداف محددة.) وهو يمثل أيضا تحديا كبيرا أمام الأنظمة التعليمية وأمام المناهج، إلا أنه تحدٍ أكبر للمعلم، لأنه هو المنفذ الأخير والمصب النهائي لما ترسمه الأنظمة التربوية ولما تصممه المناهج.
يتلخص هذا التحدي للمعلم في أمور:
التحدي الأول: من حيث قدرة المعلم على تطوير نفسه للاستفادة من مستجدات الذكاء الصناعي ونماذجه ووكلائه. فالذكاء الصناعي لديه قدرة كبيرة على اقتراح فرص تعليمية إبداعية، وإنشاء أنشطة تعلم غنية وعميقة، ويعرض فرصا يصعب حصرها لمساعدة المعلم لإيجاد بيئة تعلم مرنة وغنية ومتكيّفة مع احتياجات المتعلمين وأساليب تعلمهم، في كل مرحلة من مراحل الدرس. لكن هذا يتطلب من المعلم تطورا مهنيا على مستوى القناعات (الاتجاهات) وعلى مستوى المعارف والمهارات؟ كما أن على المعلم أن يكون ملما بالأساليب والنماذج الحديثة للتدريس، لكي يفهم ما يقترحه الذكاء الصناعي، أو لكي يوجهه لتصميم ما يراه مناسبا منها. فهناك علاقة تبادلية بين معرفة المعلم وإبداعه وإبداع الذكاء الصناعي. فكلما زادت معرفة المعلم وإبداع زادت فعالية الذكاء الصناعي.
التحدي الثاني: من حيث إمكانية استفادة الطلبة منه بما يجعلهم يفوقون المعلم أو يستدركون عليه أو ينقدونه. فالذكاء الصناعي يتطور بسرعة، وعادة يتميز الشباب بالقدرة على متابعة الجديد فيه واستيعابه أكثر من غيرهم. فكما حدث عند موجة إدخال التقنية في التدريس، كنا نرى طلابا يفوقون بعض المعلمين في تشغيل الحاسب وبرامجه. والشيء نفسه، وربما أكثر قد نراه مع موجة الذكاء الصناعي.
التحدي الثالث: من حيث ما قد يصدر من بعض الطلبة من استخدام غير مرشّد للذكاء الصناعي، بما يمنع تحقق أهداف الأنشطة، ويفسد عملية التقويم. فكثير من الأنشطة التقليدية (الواجبات أو المتطلبات) التي كانت تُعطى للطلبة على سبيل التمرين أو على سبيل التقويم، يمكن للذكاء الصناعي عملها للطلاب بسهولة. وفي كثير من الأحيان يصعب على المعلم غير الخبير اكتشاف ذلك. وهذا يجعل من المتحتم تعديل أساليب تقويم أداء الطلاب، أو طرق متابعة تدريباتهم.
التحدي الرابع: قدرة المعلم على توجيه الطلبة للاستفادة المثلى من الذكاء الصناعي لتحقيق أهداف التعلم. كما أن الذكاء الصناعي قد غير دور المعلم، فكذلك له تأثير كبير على دور الطالب. فالذكاء الصناعي يوفر فرصا غير مسبوقه من التعلم المنظم ذاتيا، والمتكيف مع حال المتعلم. ولديه أيضا قدرة على توليد فرص تعلم لا محدودة ومتنوعة لكل طالب. فالآن كل نموذج من نماذج الذكاء الصناعي المشهورة لديها نمط خاص بالتعلم، مهمته الأساسية «تدريس» المستخدم أي موضوع يريده، وبالأسلوب والمستوى الذي يريده. فلأول مرة في التاريخ يكون مع المتعلم معلم على مدار الساعة لا يمل ولا يكل. يبقى الدور على المعلم أن يوجه الطلبة لذلك، ويبني لهم فرص تعلم تستغل هذه الإمكانات التي يوفرها الذكاء الصناعي.
الحقيقة أن دور المعلم الآن فيما أرى في مرحلة تشكل أو إعادة تشكل جذري. فالذكاء الصناعي يعيد تعريف بيئة التعلم، ودور المدرسة من أساسه. ومن الصعب التحديد الدقيق الآن، فالذكاء في مرحلة تطور سريع ومستمر، وقد دخل بقوة في مجال إيجاد فرص تعلم متنوعة تناسب المستخدم ومشخّصه personalized وهو الدور الرئيس للمعلم.
دور المعلم مرتبط بأمرين: برؤية المعلم (والمدرسة) للتعلم، وبنوع المهمة (نمطية رتيبة) أم (إبداعية بنائية). فرؤية المعلم لما هو التعلم يحدد دوره في عصر الذكاء الصناعي. فهل هو يرى التعلم حفظا، أو جمع معلومات، أو فهما واستيعابا، أم بناء معاني، أم اكتساب مهارات تفكير، أم تطبيقا، أم ذلك كله. وما هي رؤيته للمتعلمين؟ هل هم على نمط واحد ويسلكون أسلوبا واحدا في تعلمهم؟ أم يتنوع التعلم ويتفرد بحسب المتعلمين؟ بحسب رؤية المعلم للتعلم وللمتعلم سيكون تعاطيه مع المتعلمين، وبالتالي وسيتحدد تعاطيه مع الذكاء الصناعي.
كذلك إدراكه لأنواع المهام التي يؤديها عادة المعلم. فيفترض في المعلم أن يدرك أنواع المهام التي يؤديها في الفصل، (هل هي تدريسية أم غير تدريسية)، وأهدافها ودرجة أهميتها، وهل هي تخطيطية أم تنفيذية أم تقويمية؟ وما الذي يجب أن يقوم هو به وما الذي يمكن تفويضه للذكاء الصناعي، أو الاستفادة منها فيها. فالحصول على مساعدة الذكاء الصناعي يفرغ المعلم للأدوار الأكثر أهمية، وهي الأدوار المرتبطة بروح عملية التعلم، وهي مهارات التفكير والمهارات الاجتماعية وجانب المشاعر والقيم.
رغم كل ما يقدمه الذكاء الصناعي من مساعدة للمعلم، فلا بد أن يكون المعلم متقدما بخطوة. فإذا لم يكن المعلم عالما بأسس النظريات التربوية، وأسس تصميم التعليم، وممتلكا لقيم تسير عملية التعليم، وناقدا لما يقترحه (أو يبنيه) الذكاء الصناعي، فلن يكون الذكاء الصناعي بتلك الفعالية. بل قد يكون مرهقا للطلاب وللمعلم. فعندما نطلب مساعدة الذكاء الصناعي في تدريس الطلاب لمهارة التفكير الناقد، أو نُوعز إليه بتصميم التدريس بطريقة التعليم المتمايز، فلا بد للمعلم أن يعرف أساسيات التفكير الناقد وطرق تدريسه، ولا بد أن يكون عارفا بالأسس النظرية للتعليم المتمايز، ومسوغات استخدامه.
مهما كنا متفائلين بشأنه، فلا يتوقع أن يحل الذكاء الصناعي محل المعلم. لكنه سيغير دورَه بشكل كبير ، من حيث إنه سيتولى عنه كثيرا من المهام، ويزيد من فعاليته، ويعطيه فرصة أكبر على التركيز على التعلم العميق، الذي هو عادة لب المنهج.
لكن سيبقى للمعلم دوره «التقليدي» في جوانب «يعجز» عنها الذكاء الصناعي، جوانب القيم والقدوة والجانب العاطفي والروحي الإنساني، على الأقل في المستقبل القريب.
لن يحل الذكاء الصناعي محل المعلم (على الأقل في المستقبل المنظور!). المؤكد أن المعلم الذي يتقن استخدام الذكاء الصناعي سيكون أكثر فاعلية، وربما هو من سيحل محل المعلم الذي لا يتقنه.
***
- جامعة الملك سعود