عبد العزيز بن صالح الفريدي
يمثِّل إطلاق أعمال مجلس شؤون التعليم العام خطوة مفصلية في مسار تطوير التعليم بالمملكة، ليس لأنه يضيف إطارًا تنظيميًا جديدًا فحسب، وإنما لأنه يعكس تحولًا في فلسفة إدارة التعليم، يقوم على أن المدرسة لم تعد مؤسسة معزولة عن محيطها، بل أصبحت جزءًا من منظومة وطنية ترتبط بالاقتصاد، وسوق العمل، والتقنية، والتنمية البشرية، ومستهدفات رؤية المملكة 2030 .
إن تشكيل المجلس بعضوية ممثلين من جهات حكومية، ومتخصصين في التعليم، وممثلين عن القطاعين الخاص وغير الربحي، يؤكد أن بناء الإنسان مسؤولية وطنية مشتركة، وأن جودة التعليم لم تعد تقاس فقط بنتائج الاختبارات أو نسب التخرج، وإنما بقدرة الخريج على المنافسة، والتكيف مع المتغيرات، والإسهام في اقتصاد المعرفة.
ويأتي هذا التوجه في توقيت يشهد فيه العالم تغيرات متسارعة في طبيعة الوظائف. فالذكاء الاصطناعي والأتمتة والتحول الرقمي لم تعد مجرد أدوات مساندة، بل أصبحت عوامل تعيد تشكيل سوق العمل بصورة غير مسبوقة. وقد اختفت بالفعل بعض المهن، بينما تراجعت الحاجة إلى أخرى، في الوقت الذي ظهرت فيه تخصصات ووظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، أبرزها التفكير التحليلي، والإبداع، وحل المشكلات، وإدارة البيانات، والقدرة على التعلم المستمر.
إن نجاح مجلس شؤون التعليم العام لن يقاس بعدد اللوائح التي يعتمدها أو السياسات التي يصدرها، وإنما بقدرته على بناء منظومة تعليمية تستشرف المستقبل، وتربط المناهج الدراسية باحتياجات الاقتصاد الوطني، وتمنح الطالب المهارات التي تؤهله للنجاح في سوق عمل يتغير بوتيرة متسارعة. ولعل من أهم الأولويات خلال المرحلة المقبلة أن تتحول العلاقة بين التعليم وسوق العمل إلى شراكة مؤسسية دائمة، تقوم على تبادل المعلومات، وقراءة المؤشرات، واستشراف الاحتياجات المستقبلية للقطاعات الاقتصادية. فالتخطيط للتعليم لم يعد يحتمل الاعتماد على الواقع الحالي فقط، بل يجب أن ينطلق من توقعات السنوات المقبلة، حتى لا نجد أنفسنا أمام فجوة بين مخرجات التعليم والوظائف التي يحتاجها الاقتصاد.
كما تفرض التطورات التقنية إعادة النظر في مفهوم النجاح التعليمي. فلم يعد الهدف تخريج طالب يحفظ المعلومات، بل إعداد شاب يمتلك القدرة على التعلم مدى الحياة، ويستطيع اكتساب مهارات جديدة كلما تغيرت متطلبات المهنة. وهذه الثقافة أصبحت ضرورة، لأن كثيرًا من خريجي اليوم سيعملون مستقبلًا في وظائف لم تكن موجودة عند دخولهم المدرسة.
تبرز أهمية أن تتضمن السياسات التي سيقرها المجلس آليات مرنة لتطوير المناهج، وتعزيز التعليم التطبيقي، والتوسع في الإرشاد المهني، وإشراك القطاع الخاص في تحديد المهارات المطلوبة، بما يضمن أن يكون التعليم شريكًا في التنمية الاقتصادية، لا مجرد مزود للشهادات.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من المصانع أو التقنيات، بل من المدرسة. وكلما اقتربت مخرجات التعليم من احتياجات الاقتصاد، ازدادت قدرة الدول على المنافسة، وانخفضت فجوة البطالة، وارتفعت إنتاجية الموارد البشرية.
إن مجلس شؤون التعليم العام أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج تعليمي أكثر مرونة واستجابة للمستقبل، يواكب الثورة التقنية، ويستثمر إمكانات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الاكتفاء بمواجهة تحدياته، ويجعل من المدرسة نقطة الانطلاق الأولى نحو اقتصاد المعرفة، ليظل الإنسان السعودي هو الثروة الوطنية الأهم، والقادر على قيادة المستقبل وصناعته.