د. تنيضب الفايدي
وكما جاء ذكر الصهباء في رواية عن صفية بنت حيي رضي الله عنها: قالت: ما رأيت قط أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ركب من خيبر على عجز ناقته ليلاً، فجعلت أنعس، فيضرب رأسي بمؤخر الرحل فيمسني بيده، ويقول يا هذه، مهلا يا بنت حيي، حتى إذا جاء الصهباء، قال: أما إني أعتذر إليك، يا صفية بما صنعت بقومك، إنهم قالوا لي كذا وكذا.
ويعتقد الباحث أن وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصهباء ومعسكره عصراً وفي موقع مكشوف تقريباً ومواجهاً لحصون خيبر، وتحديداً حصني الوطيح وسلالم، كلّ ذلك لم يكن إلا من قبيل المفاجأة والتعمية على اليهود، لجعلهم يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبدأ في مهاجمة حصني الوطيح وسلالم أولاً في هجومه على خيبر؛ لأن موقع المعسكر يعد مكشوفاً إلى حد كبير أمام هذين الحصنين. هذا إذا افترضنا إمكانية رؤية الجيش في هذا الموقع من بين أشجار النخيل الكثيفة التي قد تحول بين الجيش وبين الحصون. فما إن جنّ الليل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد العشاء حتى تحول إلى شمال خيبر؛ ليصبّحهم هناك، ويبدأ فوراً بحصار الحصن الأول في النطاة شمال خيبر (حصن ناعم). فعندما أصبح اليهود في النطاة عند ناعم، خرجوا إلى مزارعهم لا يتوقعون وصول الجيش إليهم بهذه السرعة، فلما رأوا جيش المسلمين قالوا محمد والخميس ثم هربوا إلى حصونهم وأغلقوها عليهم.
وعليه فإن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عسكر عند أطراف الصهباء الجنوبية عند مجرى وادي الغرس، أو ما يعرف اليوم بوادي النعم (أبا النعم)، الذي يبعد حوالي 6 أميال عن خيبر عند قاع قران، وهذا يوافق ما ذكره بعض الرواة من أن الصهباء تبعد عن خيبر 6 أميال.
والصهباء لا تعرف الآن لكن الذي يظهر لي أنها منطقة جبال عطوة، فهي منطقة ممهدة وأرضها منبسطة ومناسبة للخيام، خاصة من الشمال والشرق وهي صهباء اللون وقد امتد التوسع العمراني في خيبر إلى هذه الجهة أكثر من غيرها لانبساطها ولكونها أرض أقلّ وعورة.
وقد شيدت على بعض الأودية السدود منذ القدم لتحجز المياه خلفها وأدى ذلك إلى ارتفاع منسوب المياه في الآبار والعيون، كما كانت تلك السدود تدرأ مخاطر الفيضان عن القرى والتجمعات السكانية، منها سد الصهباء (سد البنت حالياً) الشهير الذي يقع على وادي الغرس بخيبر، ولعله سمي بسدّ الصهباء نسبةّ إلى منطقة أو إلى الجبال المحيطة به حيث أطراف الصهباء الجنوبية عند مجرى وادي الغرس، وإلا بينهما (جبال الصهباء وسد الصهباء) توجد مسافة.
ويعدّ سد الصهباء من عجائب السدود في المنطقة، نظراً لحجمه وتصميمه وارتفاعه وموقعه المتميز، وهو يسقي المزارع ويمدّ الآبار بالمياه لتخزينها لفترة أطول، وشيد ليستفيد منه أكبر عدد من أهالي حرة خيبر.
يقع سد الصهباء جنوب شرق الثمد ويبلغ طوله 250 متراً وارتفاعه يصل إلى 30 متراً. وهو مشيد من أحجار غير مشذبة وأضيفت عليها طبقة من الملاط من الجهة التي تحجز المياه، ويأخذ السد شكلاً متدرجاً وتزداد سماكته عند القاعدة وتقل في الأجزاء العليا، والسد مدرج من كلا جانبيه، ولا توجد في السد بوابات تصرف المياه التي تحجز خلف السد، مما يدل على أنه كان يحجز خلفه بحيرة كبيرة تؤدي إلى رفع منسوب المياه في حرة خيبر، ويرجع تاريخ إنشاء السد إلى فترة ما قبل الإسلام، والدليل على هذا ما أخرجه البخاري في حديث رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر حيث جاء فيه ذكر سد الصهباء فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة التمس غلاماً من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل فكنت أسمعه كثيراً يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال ثم قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آذن من حولك فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ثم خرجنا إلى المدينة قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه ثم نظر إلى المدينة فقال اللهم إني أحرم ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم. رواه البخاري. لذا فإن حديث الإمام البخاري يؤكد على قدم سد الصهباء، وعندما تُدقق في مواد بناء أساس السد تجد بأنها مشابهة لأسس حصون خيبر وهذا يزيد الثقة بأن سد الصهباء بني قبل غزوة خيبر بفترة قد تطول، ويظهر من البنيان اختلاف في فترات بنائه، وهو بمثابة دليل أثري على التقدم الذي أحرزه العرب في مجال هندسة البناء خلال عصور ما قبل الإسلام وبعده. ولكن يبدو بأنها رمم، وانهار جزؤه الشمالي، لكن الجزء الأكبر من السد قد بقي سليماً، وصمد هذا السد العظيم شامخاً متحدياً العواصف والسيول لما لا يقل عن خمسةعشر قرناً من الزمان.
ويصف الرحالة فيلبي سد البنت قائلاً: (إن سد البنت الشهير ذو أبعاد أكبر بكثير من أبعاد سد الحصيد...، ولا بد أن البناء الأصلي كان طوله 500 قدم تقريباً، وكان مشيداً من صخور البازلت المشذبة بصورة مهملة ولكنها مركبة مع بعضها بصورة رائعة ومتماسكة بملاط من الجبس، والوجه المعاكس لمجرى التيار كان مبطناً بالإسمنت من القمة حتى عشرة أقدام من القاعدة وربما تكون الطبقة السفلى من الأسمنت قد تكسرت بفعل السيول وانجرفت بعيداً وقد تهدم جزء منه ويحتاج إلى إصلاح وبوابات).
وهناك موقعٌ قريب من السد يطلق عليه قبة صفية أو (دعب صفية) وهو الموقع الذي يعتقد أنه بني للنبي صلى الله عليه وسلم به قبة بنى فيها بأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها في طريق عودته إلى المدينة. ويطلق عليه العامة قبر صفية خطأ، وهو في الواقع قبة صفية، لأن أم المؤمنين صفية بنت حيي دفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها.
وقد وقف الكاتب على معالمها التراثية مرات عديدة، وهي من أقوى عوامل الجذب السياحي البارزة والمتميزة لهذه المحافظة، ناهيك أن السياحة الداخلية في المملكة العربية السعودية تمتاز بأهم ميزةٍ تُميزها وتنفرد بها عن غيرها من البلدان، وهي أنها سياحةٌ وفق الضوابط والأُطر الشرعية الإسلامية.
***
المراجع: وفاء الوفا للسمهودي، المناسك للحربي، المغازي للواقدي، السيرة النبوية لابن هشام، معجم معالم الحجاز للبلادي، أرض مدين تأليف: هاري سانت جون فيلبي (عبدالله فيلبي)، غزوة خيبر دراسة علمية توثيقية للدكتور/ تنيضب الفايدي والأستاذ/ صيفي عيسى الشلالي، خيبر الغزوة المحافظة السياحة للدكتور/ تنيضب الفايدي.