«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في خطوة تعكس التحول المتسارع الذي يشهده القطاع الموسيقي في المملكة، أعلنت هيئة الموسيقى عن شراكة إستراتيجية مع منصة «جاز في جدة»، التي تنظمها «نداء الثقافة»، في مبادرة تستهدف تعزيز دور القطاع الخاص في تنمية المشهد الموسيقي، وتحفيز الاقتصاد الثقافي، ودعم المشاريع والمهرجانات النوعية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ولا تمثل هذه الشراكة مجرد تعاون لتنظيم فعاليات موسيقية، بل تؤسس لرؤية ثقافية تتعامل مع موسيقى الجاز بوصفها لغة عالمية للحوار والإبداع، وتسعى إلى إعادة تقديمها بروح سعودية تستلهم الموروث المحلي، وتفتح آفاقًا جديدة للتبادل الثقافي بين المملكة والعالم.
وتُعد «جاز في جدة» منصة وطنية تُعنى باكتشاف المواهب السعودية وصقلها عبر برامج تدريبية متخصصة، ومبادرات للتبادل الثقافي، وإنتاج أعمال موسيقية، إلى جانب تنظيم مهرجانات وفعاليات دولية يشارك فيها موسيقيون من أكثر من عشر دول سنويًا، بما يسهم في بناء جيل جديد من الموسيقيين القادرين على المنافسة والحضور في المشهد العالمي.
وتحتضن منطقة جدة التاريخية فعاليات المنصة، في مشهد يجمع بين عراقة المكان وحداثة التجربة، حيث يتحول الإرث العمراني والثقافي إلى فضاء يحتضن حوارًا موسيقيًا بين التجارب السعودية ومدارس الجاز العالمية، بما يعكس حيوية المشهد الموسيقي في المملكة.
وتُعد موسيقى الجاز إحدى أكثر المدارس الموسيقية تأثيرًا في العالم؛ فقد نشأت مطلع القرن العشرين في مدينة نيو أورلينز الأمريكية، قبل أن تتحول إلى لغة موسيقية عالمية تقوم على الارتجال، والحوار بين الآلات، وحرية التعبير، لتغدو رمزًا للإبداع والتنوع الثقافي، وتترك أثرًا واضحًا في كثير من الأنماط الموسيقية الحديثة.
وفي تصريح خاص لـ«الجزيرة»، أكد مؤسس ومشرف منصة «جاز في جدة» محمد باخريبة أن هذه الشراكة تمثل نقطة تحول في مسيرة المنصة، إذ تفتح أمامها مسارات دولية جديدة بدعم من هيئة الموسيقى، بما يوسع نطاق الوصول إلى التجارب العالمية، ويخلق فرصًا نوعية للمواهب السعودية، ويعزز حضورها على الساحة الدولية.
وقال إن الجمهور والموسيقيين السعوديين يستحقون مسرحًا عالميًا يليق بطموحاتهم، مشيرًا إلى أن المنصة لا تسعى إلى تقديم حفلات جاز فحسب، بل تعمل على بناء هوية موسيقية سعودية معاصرة، تنطلق من الموروث المحلي، وتتحاور مع موسيقى الجاز بوصفها لغة عالمية قادرة على استيعاب الثقافات المختلفة.
وأضاف أن «جاز في جدة» ليست فعالية موسمية، وإنما منصة تعمل على مدار العام عبر أربعة مسارات رئيسة، تتوج أعمالها بحدث دولي سنوي، في إطار رؤية تستهدف بناء مشروع ثقافي مستدام، يربط التدريب والإنتاج والتبادل الثقافي بالفعاليات الجماهيرية.
وأوضح باخريبة أن المنصة تعمل بالتعاون مع جامعات ومعاهد موسيقية محلية ودولية لإعداد جيل جديد من الموسيقيين السعوديين، يمتلك أدوات الاحتراف، ويستطيع تقديم لغة موسيقية تمزج بين الموروث السعودي ومدارس الجاز العالمية، بما يعكس الهوية الثقافية للمملكة في قالب معاصر.
وأكد أن الشراكة تجسد التكامل بين التنمية الثقافية والاقتصادية، من خلال توفير برامج تدريب وإرشاد للموسيقيين السعوديين، وإتاحة فرص الأداء المشترك مع فنانين عالميين، الأمر الذي يسهم في تطوير القدرات، وتوسيع آفاق الحضور، وتعزيز الحوار بين التجارب المحلية والدولية.
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باول باسيفيكو أن نمو قطاع الموسيقى يتسارع عندما تتكامل جهود المؤسسات مع القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن منصة «جاز في جدة» نجحت في بناء علاقة متينة مع الجمهور والفنانين، وأن هذه الشراكة ستسهم في تحويل هذا النجاح إلى فرص مستدامة تثري المشهد الموسيقي السعودي، وتعزز حضوره ضمن الحراك الثقافي العالمي.
وتعكس هذه الشراكة مرحلة جديدة في تطور الصناعة الموسيقية بالمملكة، حيث لم يعد الاهتمام مقتصرًا على استضافة الحفلات، بل امتد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل اكتشاف المواهب، والتدريب، والإنتاج، والتبادل الثقافي، وصناعة مهرجانات ذات بعد دولي. وفي هذا السياق، تبدو «جاز في جدة» نموذجًا لمشروع ثقافي يسعى إلى أن يتحدث الجاز بلهجة سعودية، وأن يجعل من الموسيقى جسرًا يربط الهوية المحلية بالعالم، ويعزز مكانة المملكة بوصفها مركزًا متناميًا للإبداع والثقافة.