إبراهيم أبوهيف
حين اقتربت النار من شريانٍ يحمل الطاقة، لم يكن ميناء دمياط أمام حادثٍ عابر، بل أمام لحظة فارقة، لحظة لا تمنح أصحاب القرار ترف الانتظار، ولا تترك للعاملين مساحة بين الخوف والاختيار.
سفينتان تتجاوران، وغاز قابل للاشتعال، ونيران وجدت طريقها إلى أكثر النقاط حساسية، فيما كان الميناء يحتضن سفنًا أخرى، وتعمل حوله مدينة، ويرتبط به اقتصاد لا يحتمل أن تمتد شرارة واحدة إلى ما وراء موضعها.
هناك، لم تكتب البطولة بيانًا، ولم تنتظر عدسةً أو تصفيقًا، تقدم رجال ميناء دمياط إلى الخطر حين كان الابتعاد عنه هو الغريزة، وقادوا القاطرات نحو السفينة المتضررة حين كان احتمال الانفجار حاضرًا في كل حركة، فصلوا السفينتين، وأبعدوا النار عن الغاز، وحملوا الخطر إلى خارج الميناء بدلًا من أن يتركوه يتمدد في داخله، وفي دقائق قليلة، صنع العامل المصري الفارق بين حادث جرى احتواؤه، وكارثة كان يمكن أن تُروى لسنوات.
غير أن ملحمة دمياط لم تكن بطولة رجال وحدهم، بل كانت صورة دولة كاملة، دولة لم ترتبك حين ارتفع اللهب، ولم تنفعل حين ارتفعت التكهنات، ولم تسمح لحادث مجهول المصدر بأن ينتزع منها حقها في التفكير والقرار الرشيد.
تحركت مؤسساتها في الميدان، واستمرت التحقيقات في هدوء، وعادت حركة الميناء، وبقيت القاهرة على نهجها الذي عرفته المنطقة طويلًا، قوة لا تستعرض نفسها، وحكمة لا تعني الضعف، وصبر لا يلغي القدرة على الرد حين تصبح الحقيقة كاملة ويصبح القرار واجبًا.
فمصر لا تدخل الحروب استجابةً لاستفزاز، ولا تغادر حكمتها استجابةً لرواية، ولا تضع أمنها القومي في ميزان الانفعال الإعلامي، إنها الدولة التي تعرف أن بعض الخصوم قد يريدون من الضربة أكثر من أثرها المادي، يريدون رد فعلٍ يوسع الحرب، وقرارًا متعجلًا يبدل المواقف، وانفعالًا يسمح للآخرين بأن يختاروا لها موضعها في معركة لم تخترها، لكن مصر التي عبرت أزمات التاريخ لا تقودها الشرارة، بل تطفئها أولًا، ثم تبحث عمن أشعلها، وتختار بعد ذلك ما يحمي أرضها ويصون قرارها.
وبينما كانت دمياط تقدم للعالم مشهد البطولة في الميدان، كانت الرياض ترسم في البحر معنى آخر للقوة، قوة لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تترك الممرات مكشوفة، ولا تنتظر الخطر حتى يصل إلى الرصيف.
ومن هنا، يلتقي المشهدان دون افتعال، في مصر دولة تحمي قرارها بالحكمة، وفي السعودية دولة تحمي الممرات البحرية بالمبادرة، وبينهما أمن عربي يدرك أن السفن لا تحمل الطاقة وحدها، بل تحمل معها استقرار الدول، ورخاء الشعوب، ومستقبل التجارة في منطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى من يمنع الحرب من أن تجد طريقها إليها.
لم يكن استهداف منطقة ترتبط بسفينتي غاز تفصيلًا هامشيًا، فالطاقة في عالم اليوم ليست سلعةً فقط، بل عصب اقتصاد، ومصدر استقرار، وأداة تأثير، وأي اضطراب في منشآتها لا يقف عند حدود الحريق، بل يمتد إلى حسابات الإمداد والتأمين والأسواق وثقة المتعاملين.
ولهذا، كان نجاح مصر في إعادة الميناء إلى انتظامه سريعًا ردًا يوازي في أهميته إخماد النيران، لأن الحادث كان يمكن أن يصيب الجسد، لكن استمرار التشغيل منع الخوف من إصابة الروح.
وفي المسافة بين وقوع الحادث واكتمال التحقيق، اشتعل فضاء آخر لا تقل حرارته عن موقع النيران، امتلأت المنصات الاجتماعية بالأسئلة، وتنافست وسائل الإعلام في تقديم التفسيرات، وتقدمت الظنون أحيانًا على المعلومات.
نفت إيران صلتها بالحادث، ونفت إسرائيل ما نُسب إليها، كما نفى الحوثيون المسؤولية، وبقيت الدولة المصرية وحدها متمسكةً بما تفرضه المسؤولية، لا اتهام بلا دليل، ولا رواية تُبنى على رغبة، ولا قرار يُصنع فوق أرض من الاحتمالات.
وقد انقسمت انطباعات المنصات بين اعتزاز واسع برجال الميناء، وقلق مشروع من قدرة المسيرات على الاقتراب من المنشآت الحيوية، وتساؤلات متباينة حول هوية الفاعل وأهدافه، لكن بعض الأصوات حاولت القفز من السؤال إلى الإجابة، ومن الواقعة إلى الحرب، وكأن الدول تُقاد بمنشور، والجيوش تتحرك بتعليق، والقرارات المصيرية تُصاغ على إيقاع الترند.
وهنا ظهرت حكمة القيادة المصرية في أوضح صورها، لم تُصادر حق الناس في السؤال، لكنها لم تسمح للأسئلة بأن تتحول إلى ضغط على الدولة، ولم تُغلق باب الرد، لكنها رفضت أن يفتحه الآخرون في توقيتهم، فالقوة التي تُستدرج تفقد جزءًا من قيمتها، أما القوة التي تختار متى تتقدم، ومتى تتريث، ومتى تجعل الصمت رسالة، فهي قوة تعرف حدودها، وتعرف قبل ذلك قدرها.
مصر ليست دولةً تقف على هامش التاريخ، لكنها كذلك لا تدخل كل معركة يعبر دخانها حدودها، لها أمنها الذي تحميه، ومصالحها التي تزن بها المواقف، وقيادة تعرف أن الشجاعة ليست في الإسراع إلى الحرب، بل في ألا تسمح للحرب بأن تختار لها طريقًا لم تختره.
وهنا ينتقل المشهد من رصيف دمياط إلى أفقٍ أوسع، حيث كانت المملكة العربية السعودية تتحرك من منطق حماية الساحل إلى بناء أمن الممرات البحرية، ومن معالجة الخطر بعد وصوله إلى تقليل فرص وصوله من الأساس.
فالرياض لا تنظر إلى الممرات البحرية باعتبارها خطوطًا على الخرائط، بل شرايين تتصل بها التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، ويعبر منها استقرار المنطقة إلى العالم، ويعبر اضطرابها من العالم إلى المنطقة.
ومن هذا الفهم، جاءت المبادرة السعودية لتعزيز التعاون البحري في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ضمن رؤية لا تستدعي الحرب، بل تعمل على تجفيف أسبابها، ولا تبحث عن خصمٍ جديد، بل تسعى إلى منع الخطر من العثور على ثغرة جديدة، فالبحر الأحمر الذي تتقاسم الدول منافعه، لا يمكن أن تتحمل دولة واحدة أعباء حمايته، والممر الذي تعبره مصالح الجميع لا يصان إلا بتعاون الجميع.
وتحمل المقاربة السعودية قيمة تتجاوز بعدها العسكري، إذ تنقل الأمن البحري من ردود الأفعال المتفرقة إلى إطار مؤسسي يجمع تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، والتدريب، والقيادة والسيطرة، مع بقاء القرار الوطني محفوظًا لكل دولة، والسيادة مصونة لكل شريك، فلا تعاون يكتمل إذا انتقص من الاستقلال، ولا تحالف ينجح إذا تحول من حماية الدول إلى فرض الخيارات عليها. ولذلك، لا يحتاج الربط بين دمياط والرياض إلى مبالغة أو افتعال، ففي دمياط ظهرت قيمة الجاهزية حين واجه الرجال الخطر قبل أن يتسع، وظهرت حكمة الدولة حين منعت النار من أن تعبر من السفينة إلى السياسة.
وفي الرياض ظهرت قيمة المبادرة حين تحركت المملكة لحماية البحر الأحمر قبل أن يتحول كل ممر فيه إلى ساحة اختبار، وكل ناقلة إلى هدف، وكل ميناء إلى خبر عاجل ينتظر شرارة جديدة.
وقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن أمن مصر والسعودية لا ينفصل عن استقرار البحر الأحمر، ولا ينفصل استقرار ه عن أمن العرب، فمصر تحرس بوابة المتوسط وقناة السويس، والسعودية تقف على امتداد البحر الأحمر وتطل على طرق الطاقة والتجارة، وبينهما جغرافيا لا تسمح بالفصل، ومصالح لا تحتمل الفراغ، ومسؤولية تفرض أن يكون البحر طريقًا للحياة لا مسرحًا للموت.
ومن هنا، تبدو الرسالة أوضح من كل الروايات المتضاربة: ليست الحكمة انسحابًا من الميدان، وليست المبادرة دعوةً إلى الحرب، الحكمة أن تحتفظ الدولة بقرارها، والمبادرة أن تمنع الخطر من الاقتراب منه.
وفي مصر قيادة تعرف متى تصمت حتى تكتمل الحقيقة، ومتى تتحرك حين تفرض المصالح كلمتها، وفي السعودية رؤية تدرك أن حماية الاستقرار تبدأ من حماية الطرق التي يصل عبرها الرخاء إلى الناس.
لقد قدم رجال دمياط البطولة حين تقدموا نحو النار، وقدمت الدولة المصرية الحكمة حين لم تتقدم نحو المجهول، وقدمت المملكة العربية السعودية معنى الردع حين اختارت أن تبني للبحر الأحمر سياجًا من التعاون بدل أن تتركه مفتوحًا أمام الفوضى.
وبين دمياط والرياض، يبقى الدرس واحدًا: الدول الراسخة لا تصنعها لحظة الغضب، بل يصنعها اتزان القرار، ولا تحميها القوة وحدها، بل يحميها حسن استخدامها. فسلامٌ على رجالٍ حملوا الخطر بعيدًا عن الميناء، وتقدير لدولٍ تعرف أن أقوى انتصار ليس أن تدخل الحرب، بل أن تمنع الحرب من الدخول إليها.