ثامر الشهراني
في الثاني من أغسطس 1990، لم يكن الغزو العراقي لدولة الكويت مجرد اجتياح عسكري لدولة ذات سيادة، بل كان محاولة لطمس الحقيقة ومصادرة صوتها. فمنذ اللحظات الأولى، استهدف الاحتلال مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وسائل الإعلام، إيماناً منه بأن السيطرة على الرواية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. لكن الإعلام الخليجي، وفي مقدمته الإعلام الكويتي والإعلام السعودي، خاض معركة موازية، انتصر فيها للحقيقة كما انتصر للشرعية، وأثبت أن الكلمة الصادقة قادرة على كسر الحصار، وأن الحقيقة، مهما واجهت من محاولات للتضليل، تبقى أقوى من رواية المحتل.
لعبت الصحافة والإذاعة والتلفزيون في دول الخليج دوراً تجاوز التغطية الإخبارية التقليدية، فتحولت إلى جبهة إعلامية موحدة نقلت للعالم حقيقة ما يجري داخل الكويت، وكشفت زيف الادعاءات التي حاولت تبرير الاحتلال. وفي وقت كانت فيه وسائل الاتصال محدودة مقارنة بما نملكه اليوم، استطاع الإعلام الخليجي أن يحافظ على تدفق المعلومات الموثوقة، مستنداً إلى المهنية، وإلى وضوح الموقف السياسي والأخلاقي الرافض للعدوان.
برز الإعلام السعودي بوصفه أحد أهم ركائز هذه المعركة الإعلامية؛ فقد سخّر إمكاناته لنقل صوت الكويت إلى العالمين العربي والدولي، وفتح منابره للمسؤولين والإعلاميين الكويتيين، وساهم في توثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الاحتلال، بما عزز حضور القضية الكويتية في الرأي العام الدولي، ورسخ قناعة بأن ما حدث لم يكن خلافاً سياسياً، بل عدواناً سافراً على دولة ذات سيادة.
وكانت صحيفة الجزيرة من أبرز الصحف السعودية التي واكبت الغزو بمهنية ومسؤولية وطنية، فوثّقت الأحداث، وأكدت في تغطياتها وتحليلاتها ثبات الموقف السعودي الداعم للشرعية الكويتية، ورسخت خطاباً إعلامياً يؤكد أن أمن الكويت امتداد لأمن المملكة والخليج، مسهمةً مع بقية وسائل الإعلام السعودية والخليجية في بناء رأي عام عربي رافض للاحتلال ومساند لحق الكويت في استعادة سيادتها.
كما حمل الخطاب الإعلامي الخليجي رسائل واضحة ومتماسكة، كان أبرزها أن أمن الكويت جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وأن المساس بسيادة أي دولة خليجية يمثل تهديداً مباشراً للجميع. ولم تكن هذه الرسائل مجرد شعارات، بل انعكست في وحدة الموقف السياسي، والدعم الدبلوماسي والإعلامي والإنساني والعسكري الذي قدمته دول مجلس التعاون الخليجي للكويت، وهو ما عزز الشرعية الكويتية، وأفشل محاولات الاحتلال فرض أمر واقع جديد.
ورغم محدودية التقنيات آنذاك، نجح الإعلام الخليجي في مواجهة الدعاية العراقية من خلال الالتزام بالمصداقية، والاعتماد على المصادر الرسمية، وإبراز شهادات الكويتيين، وتوثيق الوقائع بالصوت والصورة كلما أمكن. وكانت إذاعة «هنا الكويت» من الخارج مثالاً حياً على قدرة الإعلام الوطني على الاستمرار حتى في أصعب الظروف، لتصبح رمزاً لصمود الدولة وبقاء مؤسساتها، ورسالة يومية تؤكد أن الكويت لم تغب، وأن الاحتلال لن ينجح في إسكات صوتها.
شكّلت تجربة الإعلام الخليجي خلال الغزو نموذجاً متقدماً في إدارة الأزمات، وأثبتت أن نجاح الإعلام في مثل هذه الظروف لا يعتمد فقط على امتلاك الوسائل التقنية، بل على وحدة الرسالة، وسرعة الاستجابة، والمهنية، والتنسيق بين المؤسسات الإعلامية، والالتزام بالدفاع عن الحقيقة بعيداً عن التضليل والانفعال.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تحرير الكويت، تزداد أهمية توثيق تلك المرحلة للأجيال الجديدة. فالأمم التي لا تحفظ ذاكرتها معرضة لتكرار أخطائها، بينما يسهم التوثيق المهني في ترسيخ الحقائق التاريخية، وتحصين الوعي الوطني، ومواجهة محاولات التشويه أو إعادة كتابة التاريخ. ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق وسائل الإعلام الخليجية لا تقتصر على استذكار الماضي، بل تمتد إلى إنتاج الوثائقيات، وإحياء الشهادات الحية، وحفظ الأرشيف، وتقديم المحتوى الرقمي الذي يعرّف الشباب بما جرى، وبحجم التضامن الخليجي الذي أسهم في استعادة الكويت سيادتها.
أثبتت تجربة الغزو أن الكلمة الصادقة قد تكون، في لحظات التحولات الكبرى، سلاحاً لا يقل تأثيراً عن القوة العسكرية، وأن الإعلام الخليجي، عندما توحدت رسالته، لم يكتف بنقل الحدث، بل أصبح شريكاً في حماية الشرعية، وصناعة الوعي، وترسيخ حقيقة ستبقى راسخة في الذاكرة الخليجية: أن الكويت لم تكن وحدها، وأن الخليج كله كان صوتاً واحداً في مواجهة الاحتلال.
وعليه، فإن تجربة الغزو العراقي للكويت لم تكن درساً في السياسة أو الأمن فحسب، بل كانت درساً في قوة الإعلام عندما يستند إلى الحقيقة، ويتسلح بالمهنية، ويتوحد حول قضية عادلة. وما قدمه الإعلام الخليجي آنذاك لم يكن مجرد تغطية لحدث تاريخي، بل كان إسهاماً حقيقياً في حماية الشرعية، وإفشال دعاية الاحتلال، وصناعة وعيٍ عربي ودولي وقف إلى جانب الكويت حتى استعادت سيادتها.
أما الحقيقة، فقد تتأخر، لكنها لا تُهزم، لأنها وحدها التي تكتب التاريخ، وتبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب جيلاً بعد جيل.