د.عبدالله الفايز
دعونا نخرج قليلاً من المشهد الحالي للصراع بين إيران وإسرائيل لتقاسم المنطقة وتحت اشراف الغرب، والذي أراه، من وجهة نظري الشخصية، أكثر تعقيداً من مجرد حرب تقليدية بين خصمين. وأطرح هنا تصوراً قد يكون صحيحاً أو خاطئاً، لكنه يمثل قراءتي الخاصة للأحداث، وهو أن ما يجري قد يكون جزءاً من صراع أكبر وأجندات غير معلنة لإعادة رسم النفوذ في الشرق الأوسط وتقاسم مناطق التأثير بين القوى الدولية والإقليمية، وليس مجرد مواجهة عسكرية مباشرة كما تبدو في وسائل الإعلام.
وما يحيرني ليس فقط صمت معظم دول الشرق الأوسط، فهذه الدول لديها حساباتها السياسية والاستراتيجية، وتدرك أن أي حرب إقليمية واسعة لن يكون فيها منتصر حقيقي، وإنما سيكون الجميع خاسرين، وأن الدمار الاقتصادي والإنساني سيطال جميع الأطراف بلا استثناء. ولذلك يمكن فهم حرصها على عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تدمر ما تحقق من استقرار وتنمية خلال العقود الأخيرة. ولكن ما يحيرني حقاً أمران أساسيان.
الأمر الأول هو أن القيادة الإيرانية، كما أراها، مخدوعة بنفسها وقوتها، وتبدو وكأنها تعتقد أنها أصبحت قوة عظمى قادرة على تحدي العالم بأسره من خلال أذرعها العسكرية والجماعات المسلحة المرتبطة بها، مثل حزب الله والحوثيين والحشد الشعبي وغيرهما من التنظيمات التي تتهمها دول عديدة بأنها تعمل لخدمة النفوذ الإيراني في المنطقة. بينما لا تملك أي قوة دفاعية بل تخترق أجواها بسهولة. وكل ما تملكة القوة الهجومية ولكن ليس على الغرب القوي وإنما على دول مجلس التعاون والأردن.
ومن وجهة نظري، فإن هذا التصور قد يكون مبالغاً فيه، لأن أي دولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تواجه المجتمع الدولي منفردة إذا توحدت إرادته. كما أن التاريخ الحديث يكشف عن علاقات معقدة بين إيران والغرب، فقد شهدت ثمانينيات القرن الماضي قضية «إيران - كونترا»، والتي تضمنت بيع أسلحة أمريكية لإيران بصورة سرية، كما حصلت إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية على مصادر متعددة للتسليح رغم شعارات العداء المعلنة. وهذه الوقائع التاريخية تجعل البعض يتساءل: هل العلاقة بين الطرفين كانت دائماً صراعاً مطلقاً، أم أنها مرت بمراحل من التفاهمات غير المعلنة عندما تقتضي المصالح ذلك؟ ويزداد هذا التساؤل عندما نلاحظ أن الولايات المتحدة أو إسرائيل تقومان أحياناً بعمليات عسكرية ضد إيران أو ضد منشآت مرتبطة بها، ثم تعودان سريعاً إلى الدعوة للمفاوضات. ومن وجهة نظري، فإن هذا النمط يثير تساؤلات لدى كثير من المتابعين حول ما إذا كانت المواجهة تهدف إلى إنهاء الخطر بالكامل، أم إلى إدارة الأزمة وإبقائها ضمن حدود معينة، بما يسمح لجميع الأطراف بإعادة ترتيب أوراقها والاستعداد لجولات جديدة.
أما الأمر الثاني، وهو الأكثر إثارة للاستغراب بالنسبة لي، فهو موقف المجتمع الدولي. فالعالم بأسره هو المتضرر الأكبر من أي تهديد للملاحة الدولية أو لإمدادات الطاقة، خاصة عندما تتكرر التهديدات بإغلاق مضيق هرمز أو مضيق باب المندب أو تعطيل حركة السفن التجارية. فهذه ليست قضية تخص دول الخليج وحدها، وإنما قضية تمس الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ تعتمد عشرات الدول الصناعية والنامية على استمرار تدفق النفط والغاز عبر هذه الممرات البحرية الحيوية. ولو حدث بالفعل إغلاق طويل لهذه المضائق، فإن أسعار الطاقة ستقفز إلى مستويات غير مسبوقة، وسترتفع تكاليف النقل والصناعة والغذاء في معظم دول العالم، وستتأثر حياة مئات الملايين من البشر. ولذلك يبرز سؤال منطقي: لماذا لا نرى تحالفاً دولياً أكثر حزماً لمنع أي طرف من تهديد الاقتصاد العالمي؟ ولماذا يقتصر الموقف غالباً على بيانات الإدانة أو العقوبات الاقتصادية دون إيجاد حلول جذرية تمنع تكرار هذه التهديدات؟ كما غيب دور هيئة الامم المتحدة تمامَا لقد اخفق العالم قبل ذلك في دعم القضية الفلسطينية وتاكد فشلهم وانهم لا يمكن الاعتماد عليهم وان هناك قوى اكبر منهم لا يستطيعون مواجهتها.
ولنفترض – على سبيل المثال – أن دول مجلس التعاون الخليجي قررت، لأي سبب كان، وقف صادرات النفط والغاز لفترة محدودة. لا شك أن العالم بأسره سيتحرك فوراً، وستعقد الاجتماعات الطارئة، وستمارس الضغوط السياسية والاقتصادية الهائلة لإعادة الإمدادات إلى طبيعتها. وهذا ما يدفعني إلى التساؤل: لماذا يبدو رد الفعل الدولي مختلفاً عندما تصدر تهديدات مشابهة من إيران، رغم أن النتيجة الاقتصادية ستكون كارثية على الجميع؟
ومن وجهة نظري، فإن إيران تُقدَّم أحياناً في الإعلام وكأنها تمتلك قدرات عسكرية خارقة، بينما أعتقد أن جزءاً من هذه الصورة قد يكون مبالغاً فيه، وأنها تحولت إلى ما يشبه «الفزاعة» التي يستخدمها البعض لإبقاء دول الخليج في حالة استنفار دائم، بما يبرر سباق التسلح والوجود العسكري الأجنبي واستمرار التحالفات الأمنية في المنطقة. وهذه، بطبيعة الحال، تبقى رؤية سياسية قابلة للنقاش وليست حقيقة مثبتة. كما أنني أرى أن كثيراً من الحديث المتكرر عن البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية يدخل في إطار الحرب الإعلامية والنفسية بقدر ما يدخل في إطار الصراع العسكري، وأن حجم القدرات الإيرانية الحقيقية قد يكون مختلفاً عما يروج له أنصارها أو خصومها على حد سواء. ولذلك أعتقد أن تقييم القوة الإيرانية يجب أن يبنى على الوقائع والقدرات الفعلية، لا على الخطابات السياسية أو الحملات الإعلامية. وخلاصة القول، فإن ما أطرحه هنا ليس عرضاً لحقائق نهائية، وإنما قراءة شخصية للمشهد السياسي. وأرى أن استمرار حالة الغموض، وتعدد الرسائل المتناقضة، والتردد في اتخاذ مواقف دولية حاسمة، كلها عوامل تجعل كثيراً من المراقبين يتساءلون: هل الهدف الحقيقي هو إنهاء مصادر التوتر في الشرق الأوسط، أم إدارة الصراع بطريقة تبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم، بما يخدم مصالح القوى الكبرى؟ هذا السؤال سيظل مطروحاً ما دامت الأزمات تتكرر، وما دام العالم يتعامل مع نتائجها أكثر مما يتعامل مع أسبابها.
ومن القضايا التي تستحق التأمل أيضاً حقيقة القوة العسكرية الإيرانية، بعيداً عن الخطابات السياسية والإعلامية. فمن وجهة نظري، يبدو أن هناك فرقاً واضحاً بين القدرات الهجومية الإيرانية وبين قدراتها الدفاعية، وأن هذا الفرق كثيراً ما يغيب عن النقاش العام. فإيران استثمرت منذ سنوات طويلة في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، كما اعتمدت على بناء شبكة من الجماعات المسلحة الحليفة خارج حدودها، بحيث تنقل أي مواجهة بعيداً عن أراضيها. وهذه الاستراتيجية وفرت لها قدرة على الإزعاج وخلق الأزمات ورفع تكلفة أي مواجهة مع خصومها، لكنها لا تعني بالضرورة امتلاكها جيشاً تقليدياً قادراً على خوض حرب شاملة ضد القوى العسكرية الكبرى. أما على الجانب الدفاعي، فإن الصورة تبدو مختلفة. فعلى الرغم من إعلان إيران امتلاك منظومات دفاع جوي محلية ومتطورة، فإن الأحداث العسكرية الأخيرة أظهرت أن الأجواء الإيرانية تعرضت لاختراقات متعددة، وأن عدداً من المواقع العسكرية والحساسة تعرض لضربات دقيقة. كما أن اغتيال شخصيات عسكرية وعلمية داخل الأراضي الإيرانية، ووقوع عمليات استخباراتية معقدة، يثير تساؤلات حول مدى قوة منظومة الدفاع الجوي والاستخباراتي، ومدى قدرتها على حماية العمق الإيراني في حال نشوب حرب واسعة النطاق. وهذا لا يعني أن إيران بلا دفاعات، وإنما يشير إلى أن الدفاع يختلف كثيراً عن الصورة التي ترسمها الدعاية الرسمية. وفي المقابل، فإن إيران نجحت في بناء ما يمكن وصفه بـ»الردع غير المباشر»، وهو نموذج يعتمد على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والقوات غير النظامية، أكثر من اعتماده على التفوق الجوي أو البحري أو المدرعات الحديثة. ولهذا السبب فإن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إطالة أمد الصراع وإرباك خصومها، وليس في حسم الحروب التقليدية بسرعة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل إيران بالفعل قوة عظمى كما تصور نفسها، أم أن صورتها العسكرية نُفخت إعلامياً وسياسياً؟ ومن وجهة نظري، فإن وصف إيران بأنها قوة عظمى لا يتوافق مع المعايير العسكرية والاستراتيجية المتعارف عليها. فالقوة العظمى لا تقاس بعدد الصواريخ فقط، وإنما تقاس بمجموعة متكاملة من العناصر تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والصناعة العسكرية، والقوة الجوية، والأسطول البحري، والاستخبارات، والقدرة على حماية المجال الجوي، والتحالفات الدولية، والقدرة على خوض حرب طويلة دون انهيار اقتصادي. ولو قورنت إيران بالقوى العسكرية الكبرى كالولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، أو حتى بعدد من الجيوش الغربية المتقدمة، فإن الفجوة التقنية والعسكرية تبقى كبيرة جداً. وحتى بالمقارنة مع بعض القوى الإقليمية، فإن إيران ما زالت تواجه تحديات تتعلق بتقادم جزء من سلاحها الجوي، وتأثر صناعاتها العسكرية بالعقوبات، واعتمادها على تطوير معدات محلية بموارد محدودة. ومن هذا المنطلق، أرى أن إيران ليست قوة عظمى بالمعنى العسكري الشامل، وإنما قوة إقليمية تمتلك أدوات إزعاج وردع غير متماثل، وقد نجحت في توظيف الإعلام والحرب النفسية، إلى جانب تصريحات قادتها، في رسم صورة توحي بأنها قادرة على مواجهة العالم بأسره. وربما ساهم خصومها أيضاً، بقصد أو بغير قصد، في تضخيم هذه الصورة لتبرير الوجود العسكري في المنطقة، أو زيادة الإنفاق الدفاعي، أو تعزيز التحالفات الأمنية، فأصبحت إيران في نظر كثيرين أكبر مما هي عليه عسكرياً. ولا يعني ذلك التقليل من قدراتها، فهي تركت لعقود لتبني صواريخها الهزيلة والتي لم توجهها للغرب ولكنها تمتلك وسائل يمكن أن تلحق أضراراً كبيرة بمنشآت الطاقة أو الملاحة أو بعض الأهداف العسكرية، إلا أن قدرتها على تحمل حرب تقليدية مفتوحة مع تحالف دولي كبير تبدو، من وجهة نظري، محدودة للغاية. ولذلك فإن قوة إيران الحقيقية لا تكمن في قدرتها على الانتصار العسكري المباشر، وإنما في قدرتها على إدارة الأزمات، وإطالة الصراعات، ورفع كلفة المواجهة على خصومها، وهي استراتيجية تختلف كثيراً عن مفهوم القوة العسكرية العظمى.