د. عبدالله بن عثمان السنيدي
ما من حضارةٍ بلغت مبلغ الرشد إلا أدركت أن أعظم ما يبقى فيها ليس ما تبنيه الأيدي، وإنما ما تحرسه العقول؛ فالعمران لا يقوم بالحجارة قبل أن يقوم بالمعاني، ولا تستقيم حياة الناس حتى تعرف لكل أمانةٍ بابها، ولكل مقامٍ أهله، ولكل كلمةٍ سلطانها، فإذا اختلطت المنازل، واستوى الأمين والمتجرئ، لم يفسد عمل واحد، وإنما يفسد ميزان المجتمع كله.
ولهذا لم يكن الاحتياط في شؤون الناس ترفًا إدارياً، وإنما كان ثمرة إدراك قديم أن اتساع الأثر يوجب اتساع المسؤولية، فما كان أثره قاصرًا خفَّ أمره، وما تجاوز صاحبه إلى الناس جميعًا اشتدَّ الاحتياط له، حتى أصبح من البدهيات في حياة الأمم أن أحدًا لا يتصدى لما تمس آثاره مصالح الخلق إلا بعد أن تثبت كفايته، وتُعرف أهليته، وتتحقق مسؤوليته.
ولم يكن المقصود من ذلك تضييق الأعمال على الناس، وإنما توسيع دائرة الثقة بينهم؛ لأن المجتمع لا يعيش بكثرة العاملين، وإنما يعيش بالاطمئنان إليهم، وما زالت الحضارات -على اختلاف أزمانها- كلما اتسعت الحياة، زادت أبواب التحقق، وأحكمت وسائل الاعتماد، حتى غدتْ الأمانة نفسها تحتاج إلى من يشهد لصاحبها أنه أهل لحمْلها.
غير أن الناس يخطئون حين يظنون أن المحافظة على المقاصد لا تكون إلا بالمحافظة على الوسائل نفسها؛ فإن المقاصد باقية، أما الوسائل فتتغير كما تتغير السفن ويبقى البحر، وتتبدل الأقلام ويبقى العلم، وتتنوع الأوعية ويبقى الماء ماء.
وليس من الفقه أن نجمد عند صورة من صور الماضي، وإنما الفقه أن نبقي الغاية حية، ثم نلتمس لها من الوسائل ما يليق بعصرها.
ولهذا كان العالِم في الصدر الأول معروفًا قبل أن يتكلم، وكانت تزكيه سيرته قبل أن تزكيه أوراقه؛ لأن المجتمع كان صغير الدائرة، متصل الأسباب، يعرف الناس فيه علماءهم كما يعرف الرجل أهل بيته، فإذا نزلت نازلة، قصدوا مَن طال به الطلب، وعُرف بالديانة، وشهد له شيوخه، فلم تكن الثقة تحتاج إلى مؤسسة؛ لأن المجتمع نفسه كان يؤدي وظيفة المؤسسة.
ثم اتسعت البلاد، وتباعدت الأقطار، واختلطت الأسماء، وكثرت المنابر، ولم تعد الشهرة دليل الرسوخ، بل ربما صنعت الشهرة رسوخًا موهومًا لا أصل له، وأصبح الرجل يبلغ ملايين الناس في دقائق، بعدما كان لا يبلغ أهل بلدته إلا في أعوام، وههنا لم تتغير حاجة الأمة إلى الثقة، وإنما تغير الطريق إليها؛ إذ لم يعد الناس يعرفون الأشخاص، فصاروا أحوج ما يكونون إلى معرفة المرجعيات.
وهنا تظهر خصوصية الفتوى؛ فإنها ليست رأيًا ثقافيًا، ولا مادةً إعلامية، ولا وجهة نظر تقبلها الأذواق وتردها، وإنما هي إخبار عن حكم الله، وتوقيعٌ عن شريعته، يترتب عليه حلال الناس وحرامهم، وعباداتهم ومعاملاتهم، وأنكحتهم ومواريثهم، وربما تعلقت به الدماء والفروج والأموال، ولذلك كان السلف يفرون من الفتوى فرارهم من الولاية، ويعدون كثرة السؤال زيادةً في الحساب، لا زيادةً في الجاه.
وليس الذي يخيف في زماننا أن يوجد المخطئ؛ فالخطأ طبيعة البشر، وإنما الذي يخيف أن يصبح المواطن والمقيم في بلادنا (المستفتي) عاجزًا عن التمييز بين العالم والمتكلّف، وبين الراسخ وصاحب الحضور الإعلامي، حتى يغدو أول مَن يجيبه هو المرجع الذي يأخذ عنه دينه، وما أكثر ما أفسدت كلمة متعجلة عبادةً، أو فرّقت أسرةً، أو أوقعت مسلمًا في الحرام، لا لأن الحق كان غائبًا، ولكن لأن الوصول إليه كان أبعد من الوصول إلى الباطل.
ومن هنا فإن القضية ليست قضية ترخيص فحسب، بل قضية إيصال الحق إلى الناس قبل أن يسبق إليه غيره؛ لأن الفراغ لا يبقى فراغًا، فإذا تأخر صوت العلم، علا صوت الجرأة، وإذا غاب العالم، حضر المتعالم، وإذا عسر الوصول إلى الفتوى الموثوقة، لم ينتظر الناس طويلًا حتى يأخذوا دينهم ممن وجدوه أقرب إليهم، لا ممن كان أحق بهم.
فتبين أن حفظ الفتوى ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة شرعية واجتماعية، فإن الناس لا يطلبون الفتوى في أوقات الفراغ، وإنما يطلبونها حين تضيق بهم المسألة، ويشتد عليهم التردد، ويصبح تأخير الجواب نفسه جزءًا من المشكلة، فربَّ رجلٍ وقف عند عقدٍ لا يدري أحلال هو أم حرام، وربَّ امرأة عرض لها أمر في طهرها أو صلاتها، وربَّ مريض لا يعلم حكم عبادته، وربَّ أسرةٍ أوشكت أن تتفرق بكلمة، وربَّ مسلم أدركه وقت الصلاة وهو حائر في حكم لا يسعه جهله، وهذه النوازل لا تعرف ساعات معيّنة، ولا تنتظر افتتاح المكاتب، ولا تؤخر نفسها حتى يفرغ الناس من أعمالهم.
ولهذا فإن الفتوى ليست خدمةً موسمية، وإنما مرفقٌ دائم، تمس الحاجة إليه في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فإذا كنّا أدركنا حاجة الناس في أرقام موحدة للطوارئ الصحية، والأمنية، والدفاع المدني؛ لأن الإنسان قد يفاجئه الخطر في أي وقت، فإن طوارئ الدين أولى بأن تجد سبيلًا ميسورًا إلى أهل العلم؛ إذ قد يداهم المسلم من أمر دينه ما لا يقل خطرًا على قلبه وعمله عن مداهمة المرض لجسده.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى مشروعٍ وطني جامع، لا يقوم على تكثير الفتاوى، وإنما على إحكام طريق الوصول إليها؛ وذلك بإنشاء رقم موحد لعدة خطوط هاتفية للإفتاء، يعمل على مدار الأربع والعشرين ساعة، ويكون الباب الرسمي الذي تلج منه أسئلة الناس إلى العلماء المؤهلين.
ولا يراد بهذا الرقم أن يكون مركزًا للاتصالات بالمعنى الإداري المجرد، بل أن يكون جسرًا بين الأمة ومرجعيتها العلمية؛ يتناوب عليه مفتون من ذوي الأهلية، اختيروا بعناية، وشهد لهم بالرسوخ، فيجيبون الناس فيما استبان حكمه، ويردون النوازل الكبرى إلى مراجعها العلمية إذا احتاجت إلى مزيد نظر واجتهاد، وبهذا تجتمع السرعة مع الضبط، ويسر الوصول مع سلامة المرجع.
وليس هذا بدعًا من التدبير، فإن الحضارة الحديثة كلها قائمة على تقريب المختص من المحتاج إليه، فكيف يبقى البيان عن شريعة الله، وهو أشرف العلوم وأجلها، أقل حظًا من غيره في سهولة الوصول، مع أن الحاجة إليه لا تقل، بل قد تعظم؟
ثم إن هذا المشروع لا يحارب الفوضى مواجهة مباشرة، وإنما يسلبها أعظم أسباب قوتها؛ لأن الباطل كثيرًا ما ينتصر لا لقوة حجته، ولكن لغياب البديل الصحيح. فإذا وجد المستفتي الجواب الموثوق قريبًا، لم يكن له باعث إلى أن يطوف بين المنصات الرقمية، أو يجعل دينه نهبًا لكل متكلم يغرّه منه نغمة صوته ومظهره، أو يفتش في فضاء الشبكات؛ فإن النفوس مفطورة على طلب اليقين، وإنما يدفعها إلى مواطن الاضطراب فقدان الطريق الواضح.
وهنا يظهر أن تنظيم الفتوى ليس دفاعًا عن العلم الشرعي وحده، بل هو حماية لعامة المسلمين قبل كل شيء؛ لأن حق المستفتي أن يلقى حكم الله من أهله، كما أن حق المريض أن يلقى العلاج من طبيبه، وحق المتقاضي أن يقف بين يدي قاضٍ مؤهل، والأمة التي تحرس صحة أبدانها، وأموالها، وأنظمتها، أولى أن تحرس دينها، إذ به صلاح دنياها وآخرتها.
وليس المقصود أن يحتكر أحد العلم، فإن العلم أوسع من أن يحيط به أفراد، وإنما المقصود أن يكون لكل مقام بابه، ولكل فنٍّ أهله، حتى لا تختلط المراتب، ولا يلتبس الراسخ بالمتكلف، ولا يغدو البيان عن الله ميدانًا تتسابق إليه الجرأة قبل الأهلية.
فإذا تحقق ذلك، لم يكن المشروع مجرد تنظيمٍ إداري، ولا خدمة هاتفية، بل كان إقامة لسورٍ من الثقة بين المجتمع وعلمائه؛ سور لا يمنع الناس من العلم، وإنما يمنع الجهل أن يتكلم باسمه، ولا يحجب الفتوى، وإنما يحفظها من أن تخرج من غير موضعها، وتلك -فيما أحسب- من أعظم صور تعظيم الشريعة في هذا العصر؛ أن يكون الطريق إلى حكم الله واضحًا، كما أن حكم الله نفسه واضحا، وأن يجد المسلم إذا سأل عن دينه مَن يجيبه بعلم قبل أن يجيبه أحدٌ بجرأة مذمومة.
** **
- الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية