صبحي شبانة
في منطقة أنهكتها الحروب، واستنزفتها الصراعات، وأرهقتها سنوات طويلة من المواجهات المباشرة وحروب الوكالة، يصبح منع حرب جديدة إنجازًا لا يقل أهمية عن الانتصار فيها، فالسلام في الشرق الأوسط لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لحماية شعوب المنطقة والاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار التجارة الدولية، وفي الأيام الأخيرة تداولت وسائل إعلام دولية، بينها تقارير أمريكية، معلومات عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أعاد النظر في تنفيذ ضربة عسكرية واسعة ضد إيران بعد اتصالات ومشاورات مكثفة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي شدد على ضرورة تغليب لغة الحوار، وإعطاء الدبلوماسية فرصة جديدة، والعمل على خفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
وسواء جاءت هذه الخطوة نتيجة ذلك الاتصال وحده أو ضمن سلسلة من الاتصالات والجهود الإقليمية والدولية، فإن الثابت أن المملكة العربية السعودية كانت في قلب المساعي الرامية إلى احتواء الأزمة، وأن موقفها اتسم بالوضوح والثبات في رفض توسيع دائرة الحرب، والدعوة إلى تسوية سياسية تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، لقد دفعت المملكة خلال العقود الماضية أثمانًا باهظة نتيجة سياسات التوتر الإقليمي، فقد تعرضت منشآتها الحيوية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهدفت مدنها ومرافقها الاقتصادية، وواجهت تهديدات مباشرة لأمنها الوطني، كما تعرضت الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي لاضطرابات متكررة انعكست على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ورغم ذلك لم تجعل الرياض من تلك الاعتداءات مبررًا للدفع نحو حرب شاملة، بل اختارت طريقًا أكثر صعوبة وأكثر مسؤولية، طريق الحكمة، وإدارة الأزمات، والبحث عن حلول تقلل الخسائر، وتحافظ على أمن المنطقة دون أن تفتح أبوابًا جديدة للفوضى.
وهنا تتجلى فلسفة السياسة السعودية التي يقودها الأمير محمد بن سلمان، التي تقوم على أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب، وإنما في القدرة على منعها عندما يكون ذلك ممكنًا، وعلى استخدام أدوات التأثير السياسي والدبلوماسي بما يخدم المصالح الوطنية والإقليمية في آن واحد، فالمملكة اليوم ليست الدولة التي تتحرك بردود الأفعال، بل أصبحت لاعبًا دوليًا مؤثرًا يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع القوى الكبرى، وقادرًا على مخاطبة جميع الأطراف، والقيام بأدوار الوساطة، وصناعة التوازنات، بما يعزز مكانتها كقوة استقرار في الشرق الأوسط، ولعل ما يميز هذا الدور أنه لا ينطلق من حسابات آنية أو مكاسب سياسية قصيرة الأجل، بل من رؤية استراتيجية ترتبط بمستقبل المملكة نفسه. فـ»رؤية السعودية 2030» لا يمكن أن تزدهر في بيئة إقليمية مضطربة، ولا يمكن لمشروعات التحول الاقتصادي العملاقة أن تحقق أهدافها في ظل استمرار التوترات العسكرية وتهديد خطوط الملاحة والطاقة، ولذلك أصبحت الدبلوماسية بالنسبة للمملكة جزءًا من مشروعها التنموي، تمامًا كما أصبحت التنمية جزءًا من منظومة أمنها الوطني.
إن أي حرب أمريكية واسعة ضد إيران لن تكون مجرد مواجهة بين دولتين، بل ستكون حربًا إقليمية مفتوحة يصعب التحكم في مساراتها أو نتائجها، فإيران تمتلك أدوات نفوذ متعددة في المنطقة، وتملك القدرة على تحريك ساحات مختلفة في توقيت واحد، كما أن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، ستصبحان في قلب المواجهة، وهو ما يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله، ومن هنا فإن منح الدبلوماسية فرصة جديدة لا يمثل تنازلًا عن مبادئ الردع، وإنما يعكس إدراكًا عميقًا بأن القوة العسكرية ينبغي أن تكون الخيار الأخير لا الأول، وأن نجاح أي عمل عسكري لا يقاس فقط بحجم الدمار الذي يحدثه، وإنما أيضًا بقدرته على تحقيق سلام مستدام، وهو أمر لا توفره الحروب غالبًا.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن إسقاط الأنظمة لا يعني إسقاط الأزمات، وأن العمليات العسكرية الكبرى كثيرًا ما تخلق فراغات أمنية تفتح المجال أمام موجات جديدة من التطرف والعنف والانقسامات، وهو ما شهدته المنطقة في أكثر من دولة، ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة السعودية إلى تغليب لغة الحوار أقرب إلى قراءة استراتيجية لتجارب المنطقة، وليس مجرد موقف سياسي عابر، وليس خافيًا أن الرياض نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ صورة جديدة للدبلوماسية السعودية، فهي دبلوماسية المبادرة لا الانتظار، وصناعة الحلول لا إدارة الأزمات فقط، فقد احتضنت المملكة قممًا دولية وإقليمية، وأسهمت في تقريب وجهات النظر بين أطراف متخاصمة، وأثبتت قدرتها على التواصل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية دون أن تتخلى عن ثوابتها أو مصالحها الوطنية.
كما أن المملكة تدرك أن أمن الخليج لا يتحقق عبر سباقات التسلح وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى بناء منظومة إقليمية أكثر استقرارًا، تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وضمان حرية الملاحة، وحماية الاقتصاد العالمي من تداعيات الصراعات، ومن هنا فإن أي نجاح في تأجيل مواجهة عسكرية، أو فتح نافذة جديدة للتفاوض، لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتصارًا لطرف على آخر، بل باعتباره انتصارًا للعقل السياسي على منطق الحرب، ولعل الرسالة الأهم التي يحملها هذا التحرك السعودي هي أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مزيدًا من الدمار، فالمنطقة تحتاج إلى الاستثمار أكثر من حاجتها إلى الصواريخ، وإلى التنمية أكثر من حاجتها إلى ساحات القتال، وإلى بناء الجسور بدلًا من تشييد المتاريس.
لقد تغير العالم كثيرًا، وأصبحت قوة الدول تقاس بما تبنيه من اقتصادات، وما تنتجه من معرفة، وما توفره لشعوبها من فرص، لا بعدد الحروب التي تخوضها، وهذه الحقيقة تبدو أكثر حضورًا في الرؤية السعودية التي تضع الإنسان والتنمية والاستقرار في مقدمة أولوياتها، وقد لا تنجح المفاوضات دائمًا، وقد تعود الأزمات إلى التصاعد في أي لحظة، لكن مجرد إفساح المجال للدبلوماسية قبل اللجوء إلى السلاح يظل خيارًا مسؤولًا، ينسجم مع القانون الدولي، ويمنح المنطقة فرصة لتجنب كارثة جديدة يصعب التكهن بنتائجها.
واليوم، وبينما يترقب العالم ما ستؤول إليه الاتصالات السياسية والمفاوضات الجارية، تبدو المملكة العربية السعودية مرة أخرى لاعبًا رئيسيًا في معادلة الأمن الإقليمي، ليس لأنها تمتلك عناصر القوة فقط، بل لأنها تعرف متى تستخدمها، ومتى يكون الحوار هو السلاح الأكثر تأثيرًا، وفي زمن تتكاثر فيه الحروب، يصبح صانع السلام أكثر تأثيرًا من صانع المعارك، وتصبح الكلمة التي تمنع إطلاق الصاروخ أكثر قيمة من الصاروخ نفسه، وهذا هو المعنى الحقيقي للدبلوماسية عندما تتحول إلى قوة تحمي الأوطان، وتصون المصالح، وتمنح شعوب المنطقة أملاً بأن المستقبل يمكن أن يُكتب بلغة التنمية والتفاهم، لا بلغة النار والخراب.