د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
لا تُقاس نهضة الأمم بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تتيحه من مساحة للعطاء المجتمعي، وبما تمنحه القطاع غير الربحي من ثقة ودعم وتمكين. وقد جعلت القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية دعم الجمعيات الخيرية غير الربحية أولوية راسخة، فيسّرت سبل الترخيص والتمويل والإشراف، وأتاحت لهذا القطاع أن ينمو ويتوسع حتى غدا شريكًا حقيقيًا للدولة في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، ولا سيما في محورها الإنساني والصحي والاجتماعي.
وتُجسّد الجمعيات الصحية الخيرية أحد أبرز صور هذا العطاء الوطني؛ إذ تسهم في تخفيف معاناة المرضى والمحتاجين، وتسد فجوات حقيقية في الرعاية الصحية، وتعمل بروح إنسانية تعكس القيم الراسخة للمجتمع السعودي.
ومن بين هذه الجمعيات تبرز جمعية رحماء الصحية بوصفها نموذجًا بارزًا في العمل الصحي الخيري؛ إذ تقدم خدمات علاجية ووقائية للمحتاجين من المواطنين والمقيمين، وتسعى إلى تعزيز الصحة الوقائية ونشر ثقافة التطوع الصحي بين أفراد المجتمع. وتعمل الجمعية من خلال برامج متنوعة تشمل العمليات الجراحية، وعمليات العيون، وغسيل الكلى، وتوفير الأجهزة الطبية والأدوية، إضافة إلى المبادرات التوعوية والوقائية، وقد استطاعت أن تحقق أثرًا ملموسًا من خلال آلاف العمليات الجراحية المجانية، وجلسات غسيل الكلى، والعلاج والتأهيل، وهو ما يعكس حجم الجهد المبذول واتساع نطاق الخدمة.
ولم يقتصر دور الجمعية على الداخل، بل امتد إلى خارج المملكة من خلال مبادرات صحية وإنسانية، من أبرزها دعم الأشقاء في السودان بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وبدعم من مؤسسة الراجحي، حيث دُشّنت خمس سيارات إسعاف لخدمة المحتاجين هناك. كما حصدت الجمعية للعام الثاني على التوالي جائزة التميز في خدمة ضيوف الرحمن، بما يعكس دورها في دعم الأعمال التطوعية والصحية المرتبطة بالحج وخدمة الحجاج.
ويزيد من مكانة الجمعية وما تحظى به من ثقة، ما تشرّفت به من موافقة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل سعود، نائب أمير منطقة الرياض، على تولي الرئاسة الفخرية لجمعية رحماء الصحية؛ وهي ثقة كريمة تعكس التقدير الكبير لدورها في خدمة المرضى والمحتاجين، وتمثل دعمًا معنويًا مهمًا لمسيرتها الإنسانية والتنموية.
إن هذا الدعم غير المحدود الذي توليه القيادة للجمعيات الخيرية غير الربحية، وما تبذله من جهد في تيسير سبل العمل والترخيص والإشراف، يستوجب من هذه الجمعيات - وخاصة الصحية منها - استثمارًا أمثل لهذه الثقة، بحيث يتحول الدعم إلى أثر ملموس يصل إلى أكبر شريحة ممكنة من المستفيدين، داخل المملكة وخارجها، وفي المواسم التي تزداد فيها الحاجة، كموسم الحج والعمرة وشهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف أعداد الوافدين والزائرين، وتشتد الحاجة إلى خدمات صحية إسعافية وعلاجية وتوعوية مكثفة تليق بضيوف الرحمن وبأبناء الوطن على حد سواء.
ولعل من أبرز أسرار نجاح جمعية رحماء الصحية أنها لم تعمل بمعزل عن المنظومة الصحية الرسمية في المملكة، بل نسجت خيوط تكامل حقيقي معها؛ فعلى رأس تلك المؤسسات الصحية الداعمة لمسيرتها مقام وزارة الصحة، ممثلةً في صندوق الوقف الصحي الذي وقّع معها اتفاقية شراكة مجتمعية لإجراء آلاف العمليات من قوائم انتظار مستشفيات الوزارة، تنفيذًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في تمكين القطاع غير الربحي من المشاركة في التنمية الصحية جنبًا إلى جنب مع القطاع الحكومي. كما مدّت تجمعات صحية أخرى، وعلى رأسها تجمع الرياض الصحي الأول، يد العون لهذه الجمعية المباركة، من خلال شراكات ميدانية لتشغيل خدماتها الإسعافية والعلاجية بالتنسيق مع المرافق الصحية الحكومية. وهذا التكامل بين الجمعية والمستشفيات ووزارة الصحة يُجسّد نموذجًا يُحتذى في الشراكة بين القطاعين الأهلي والحكومي، ويؤكد أن العمل الخيري الصحي في المملكة ليس جهدًا منعزلاً، بل جزءٌ من منظومة وطنية متكاملة تتضافر فيها جهود الجميع لخدمة المريض والمحتاج.
ومما يُرجى من القائمين على هذه الجمعيات، وخاصة الجمعيات الخدمية الصحية منها، توسيع منافذ الخدمة لتشمل المدن الرئيسة في كل منطقة، لا الاقتصار على العاصمة أو المركز الإداري وحده. فمنطقة الرياض على سبيل المثال لا الحصر تشتمل على عدة مدن رئيسة، كمدينة شقراء، ومدينة المجمعة، ومدينة الخرج، ومدينة وادي الدواسر، ومدينة الزلفي، ومدينة القويعية، ومدينة الدوادمي، وغيرها كثير، وهي مدن تحتضن كثافة سكانية كبيرة وأعدادًا لا يُستهان بها من العمالة الوافدة، ممن هم بأمسّ الحاجة إلى خدمات صحية ميسّرة قريبة من مواطن سكنهم، دون أن يتكلفوا عناء السفر إلى العاصمة لتلقي رعاية كان يمكن أن تصلهم في مدنهم.
إن هذا التوسع الجغرافي في الخدمة ليس ترفًا تنظيميًا، بل استكمال طبيعي لرسالة هذه الجمعيات، وتحقيق أعمق لمبدأ العدالة في الوصول إلى الرعاية الصحية، وترجمة فعلية لثقة القيادة التي مكّنت هذا القطاع من النمو والانتشار.
فنجاح مثل هذه الجمعيات لا يُقاس فقط بعدد البرامج والمبادرات، بل بما تتركه من أثر في حياة المرضى والمحتاجين، وما تمنحه لهم من أمل وكرامة وشعور بأن المجتمع لا يترك أبناءه في مواجهة المرض وحدهم، أينما كانوا، وحيثما حلّوا، داخل الوطن أو خارجه.
** **
أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - سابقاً