أنس تشكالا
في أحد المتاحف العالمية، وقف الزوار أمام لوحة فنية يتجاوز عمرها مئات السنين. لم يتأمل معظمهم تفاصيلها، ولم يطل وقوفهم أمام ألوانها أو معانيها؛ بل اكتفى كثير منهم برفع هواتفهم، والتقاط صورة سريعة، ثم مضى إلى اللوحة التالية. كان المشهد لافتًا؛ فاللوحة بقيت في مكانها قرونًا تنتظر من ينظر إليها، لكن بعض زوارها اكتفوا بأن ينظروا إليها من خلال شاشة صغيرة، وكأن الصورة أصبحت أهم من التجربة نفسها.
ليس هذا المشهد استثناءً، بل أصبح جزءًا من حياتنا اليومية. ففي المطاعم، وقبل أن يتذوَّق الناس طعامهم، يلتقطون له صورة. وفي السفر، قد يقضي السائح وقتًا أطول في اختيار زاوية التصوير من الوقت الذي يقضيه في تأمل المكان. وحتى في اللقاءات العائلية، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، وكأننا لا نعيش اللحظة إلا بعد أن نعلنها للآخرين.
لقد منحتنا التقنية قدرة مذهلة على حفظ الذكريات، لكنها دفعتنا -من حيث لا نشعر- إلى استبدال التجربة بتوثيقها. فبدل أن نستمتع بغروب الشمس، نفكر في الصورة التي سننشرها. وبدل أن ننصت إلى موسيقى الحفل، ننشغل بتسجيله. وبدل أن نعيش الفرح كما هو، نراقب كيف سيبدو في أعين الآخرين.
وليس المقصود أن التصوير أو مشاركة اللحظات أمر مذموم؛ فالصور تحفظ الذكريات، وتقرّب المسافات، وتمنحنا فرصة العودة إلى لحظات جميلة مضت. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: متى تحولت الكاميرا من أداة تحفظ التجربة إلى وسيط يحجبها؟ ومتى أصبح اهتمامنا بردود الأفعال يفوق اهتمامنا باللحظة نفسها؟
لقد غيّرت وسائل التواصل مفهوم الحضور. فالحضور في الماضي كان يعني أن تكون حاضرًا بقلبك وعقلك في المكان الذي تعيشه. أما اليوم، فقد أصبح الحضور يعني أحيانًا أن تثبت للآخرين أنك كنت هناك. وهكذا انتقل الاهتمام من عيش التجربة إلى عرضها، ومن الإحساس بها إلى توثيقها.
ومن المفارقات أن الإنسان صار يمتلك آلاف الصور، لكنه يتذكر قليلًا من تفاصيلها. فالذاكرة لا تحفظ ما تلتقطه العدسات بقدر ما تحفظ ما يعيشه القلب. والطفولة لا تبقى جميلة لأننا صورناها، بل لأنها عاشت في وجداننا. والرحلات لا تصبح خالدة بسبب كثرة الصور، وإنما بسبب الأثر الذي تركته في نفوسنا.
ولعل علم النفس يفسر جانبًا من هذه الظاهرة؛ فحين ينشغل العقل بتوثيق الحدث، يتراجع انخراطه الكامل في معايشته. ولذلك نجد أحيانًا أننا نتذكر أننا التقطنا صورة، لكننا لا نتذكر تفاصيل الشعور الذي رافق تلك اللحظة. لقد حفظت الذاكرة الرقمية المشهد، لكنها سرقت شيئًا من حرارة التجربة الإنسانية.
وإذا كان هذا يحدث مع الأماكن، فهو أشد أثرًا في العلاقات. فكم من أسرة تجلس حول مائدة واحدة، لكن كل فرد يعيش في شاشة مختلفة. وكم من لقاء يجتمع فيه الناس بأجسادهم، بينما تظل عقولهم معلقة بإشعار قد يصل في أي لحظة. لقد أصبح القرب المكاني لا يضمن القرب الإنساني، لأن الانتباه نفسه صار موزعًا بين الواقع والعالم الرقمي.
ولا تقتصر القضية على الأفراد، بل تمتد إلى طريقة فهمنا للحياة. فقد أصبح بعض الناس يقيسون قيمة أيامهم بما نشروه عنها، لا بما عاشوه فيها. وكأن الذكرى لا تكتمل إلا إذا حصدت إعجابات، أو أثارت تعليقات، أو انتشرت بين المتابعين. وهنا تتحول الحياة، شيئًا فشيئًا، من تجربة شخصية إلى عرض مستمر أمام جمهور لا نعرف أكثره.
إن أجمل اللحظات في حياة الإنسان غالبًا ما تكون تلك التي لا تحملها الكاميرات؛ دعوة صادقة في جوف الليل، أو جلسة هادئة مع والدين، أو حديث طويل مع صديق قديم، أو لحظة تأمل أمام البحر، أو كتاب غيَّر طريقة التفكير. هذه اللحظات لا تحتاج إلى توثيق، لأنها تترك أثرها في النفس قبل أن تتركه في الذاكرة.
ولذلك، ربما نحتاج بين حين وآخر إلى أن نترك الهاتف جانبًا، لا رفضًا للتقنية، بل حفاظًا على إنسانيتنا. أن نشاهد الغروب بأعيننا قبل عدساتنا، وأن نصغي إلى من نحب قبل أن ننشغل بتسجيل حديثهم، وأن نتذوق تفاصيل الحياة كما هي، لا كما ستبدو على الشاشات.
فليست المشكلة في أن نوثّق حياتنا، بل في أن يصبح التوثيق بديلًا عن الحياة نفسها. فالصور تحفظ الوجوه، لكنها لا تحفظ المشاعر. ومقاطع الفيديو تنقل الأصوات، لكنها لا تنقل الدفء. وما يبقى في النهاية ليس ما خزّنته ذاكرة الهاتف، بل ما احتفظت به ذاكرة القلب.
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا، كلما هممنا بإخراج الهاتف في لحظة جميلة: هل أريد أن أتذكر هذه اللحظة.. أم أريد فقط أن أثبت أنني عشتها؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال يكمن الفرق بين حياة تُعاش، وحياة تُوثَّق.