د. طلال الحربي
حين تُسدل المدارس ستائرها مع نهاية كل عام دراسي، يجد الآباء والأمهات أنفسهم أمام سؤال يتجدد ولا يشيخ: ماذا يفعل أبناؤنا في هذه الأسابيع الطويلة؟ إنه سؤال يتجاوز في جوهره حدود التدبير الأسري ليلامس قضية تربوية وإستراتيجية بامتياز، تتصل بمفهوم «الزمن التعليمي الممتد» الذي تتبناه الأدبيات التربوية الحديثة، والذي يرى في العطلة الصيفية امتداداً طبيعياً للعملية التعليمية لا انقطاعاً عنها، ومساحة خصبة لما يسميه المختصون «التعلم غير النظامي» الذي يكمل التعليم المدرسي ولا ينافسه.
إن المتأمل في البنية التحتية التعليمية التي شيدتها الدولة، رعاها الله، من مبانٍ مدرسية حديثة، وجامعات مجهزة بأرقى المرافق، ومعاهد تقنية تضم ورشاً ومختبرات ومسارح وصالات رياضية ومكتبات عامرة، ليدرك أننا أمام رصيد وطني ضخم من الأصول العمرانية والتجهيزات النوعية، غير أن هذا الرصيد يدخل في حالة سبات شبه كامل طوال أشهر الصيف، في مفارقة تستوقف كل من يعنى بكفاءة الإنفاق العام واستثمار الأصول الحكومية.
فمن منظور التخطيط الإستراتيجي وإدارة الموارد، يمثل تعطيل هذه المنشآت قرابة ربع السنة هدراً لطاقة استيعابية هائلة كان يمكن أن تتحول إلى منصات إنتاج معرفي ومهاري تخدم مئات الآلاف من الطلاب والطالبات، وتحقق ما يعرف في الاقتصاد التربوي بـ«العائد الاجتماعي على الاستثمار» في أبهى صوره.
وأستحضر هنا، من ذاكرة لا تزال ندية، تجربة المراكز الصيفية التي عشتها طالباً في المرحلتين المتوسطة والثانوية، حين كانت تلك المراكز تفتح أبوابها صيفاً فنمارس فيها الأنشطة بكل أنواعها وألوانها، ونستمتع بها أيما استمتاع؛ لأنها كانت طوعية اختيارية لا إلزام فيها ولا قسر، نرتادها برغبة صادقة، ونتعرف فيها على زملاء جدد من مدارس وأحياء مختلفة، فتتسع دوائر معارفنا وتنمو مهاراتنا الاجتماعية دون أن نشعر. وهذا بالضبط ما تؤكده نظريات علم النفس التربوي حول «الدافعية الداخلية»؛ فالنشاط الذي يمارسه الناشئ باختياره الحر يترك أثراً تكوينياً في شخصيته يفوق أضعافاً ما يتركه أي نشاط مفروض عليه.
فلماذا لا تعود هذه التجربة الرائدة بثوب عصري يليق بمرحلة رؤية المملكة 2030؟ لماذا لا تتحول مدارسنا وجامعاتنا صيفاً إلى فضاءات نابضة بالمسرح والموسيقى والرياضة والقراءة وحلقات حفظ القرآن الكريم، وبرامج البرمجة والذكاء الاصطناعي والروبوت، وورش الفنون والحرف، ومبادرات العمل التطوعي وخدمة المجتمع؟ إن هذا التنوع في الأنشطة ليس ترفاً، بل هو استجابة علمية لتعدد أنماط الذكاء لدى الناشئة، وضمانة لأن يجد كل طالب وطالبة ما يوافق ميوله ويفجر مكامن إبداعه، بدلاً من دوامة السهر والنوم طوال النهار، وذلك النمط المعيشي المقلوب الذي يهدم في أسابيع ما بنته المدرسة في شهور.
إن الملل، ثم الملل، هو العدو الخفي الذي يتربص بأبنائنا في الإجازة؛ فالطالب الذي مل من النوم ومن مشاهدة الشاشات ومن التصفح اللانهائي لمواقع التواصل الاجتماعي في دوامة لا تنتهي، يصبح فراغه بيئة خصبة لما لا يحمد عقباه، وهو ما تحذر منه الدراسات الاجتماعية التي تربط بين الفراغ غير الموجه وارتفاع معدلات السلوكيات الخطرة لدى المراهقين.
وفي المقابل، فإن الإجازة المستثمرة تمثل فرصة ثمينة لتطوير الذات واكتساب مهارات جديدة؛ من قراءة وتعلم لغات وممارسة رياضة والتحاق بدورات تدريبية ومشاركة في أنشطة اجتماعية وتطوعية، تصقل شخصية الطالب وتمنحه ميزة تنافسية في سوق عمل مزدحم لم يعد يبعد عنه سوى خطوات قليلة، وتسهم في بناء شخصية متوازنة مبدعة قادرة على الإسهام في مسيرة الوطن.
ومعالي وزير التعليم صاحب مبادرات وأفكار عوّدنا منها على كل جديد ومفيد، وأحسب أن ملف المراكز الصيفية في نسختها المطورة جدير بأن يكون إحدى مبادراته النوعية القادمة؛ برامج صيفية اختيارية تدار بشراكات مع القطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وتستثمر المنشآت التعليمية القائمة دون كلفة رأسمالية تذكر، وتصمم وفق أرقى المعايير في التصميم الشامل حتى تكون في متناول جميع الطلاب والطالبات بمن فيهم ذوو الإعاقة، فيجد كل ابن وبنت من أبناء هذا الوطن مكاناً يليق بطموحه.
إن فلذات الأكباد هم زينة الحياة الدنيا وزهرتها؛ يخففون عن آبائهم متاعب الحياة وهمومها، ووجودهم في البيت كالأزهار في الحدائق، يضفون عليه البهجة والسرور، تُسرُّ الأفئدة بمشاهدتهم، وتقرُّ العيون برؤيتهم، وتبتهج النفوس بمحادثتهم. وهؤلاء الأزهار أمانة في أعناقنا جميعاً؛ أسراً ومؤسسات تعليمية ومجتمعاً، وأقل ما نقدمه لهم أن نحول أسابيع الصيف من زمن مهدور إلى رصيد تربوي ووطني، تتكامل فيه جهود الوزارة مع وعي الأسرة، فتعود مدارسنا صيفاً كما كانت: بيوتاً ثانية للعلم والمتعة والصحبة الطيبة، ويعود أبناؤنا إلى مقاعد الدراسة وقد ازدادوا علماً ومهارة وحماساً وطاقة، لا وهناً وكسلاً وانطفاءً.