عادل بن محمد القاسم
تعيش المكتبات اليوم مرحلة إعادة تعريف لشكل وجودها ووظيفتها. الفكرة التقليدية التي تحصر المكتبة في دور المطبوعات والمجموعات الورقية لم تعد تعبر عن الواقع؛ إذ أصبحت الحاجة ملحة لبناء نماذج تشغيل أكثر مرونة وضمان استدامة نشاطها الثقافي والمالي، بما يتماشى مع التحولات الوطنية نحو اقتصاد المعرفة.
هذا التحول لا يعني التخلي عن مجانية المعرفة، بل يتطلب الاستفادة الذكية من الأصول والموارد المتاحة عبر عدة مسارات:
- تحويل المعرفة إلى خدمات استشارية:
تضم المكتبات رصيداً ضخماً من الوثائق والمخطوطات والخبرات البحثية. يمكن تحويل هذه الثروة إلى بيت خبرة يقدم دراسات وأبحاثاً وتدقيقاً متخصصاً للجهات الحكومية والخاصة في مجالات التراث، والتاريخ، والسياسات العامة، مما يخلق عائداً معنوياً ومالياً كبيراً.
- تفعيل برامج العمل التطوعي الموجه:
العمل التطوعي ليس مجرد سد لشواغر التشغيل، بل هو أداة لربط المجتمع بالمكتبة. تصميم برامج تخصصية للشباب في أرشفة المقتنيات، والرقمنة، وتنفيذ الفعاليات، يخفف العبء التشغيلي وفي الوقت نفسه يخرج كوادر ذات خبرة ميدانية.
- استثمار الأصول دون المساس بها:
المقتنيات النادرة والخرائط التاريخية هي أصول ذات قيمة استثنائية. يمكن تنشيط هذه الأصول عبر تنظيم المعارض، أو إعارتها للمتاحف والمؤسسات الكبرى وفق اشتراطات حفظ وتأمين دقيقة، مما يعزز التواجد الثقافي للمكتبة ويوفر موارد إضافية.
- تنويع مصادر الدخل:
تعتمد الاستدامة المالية على استغلال المساحات المتاحة؛ مثل تأجير القاعات والمسارح لإقامة المؤتمرات، وتوفير مقاهٍ ومتاجر ثقافية، وتقديم عضويات مميزة للباحثين، لتمويل الخدمات الأساسية وضمان استمراريتها.
- توظيف التقنية والذكاء الاصطناعي:
يمتد أثر الرقمنة إلى أتمتة تصنيف المجموعات، وترجمة النصوص القديمة، وتطوير أدوات بحث ذكية تجيب على استفسارات المستفيدين وتتيح الوصول للمحتوى دون محددات جغرافية.
- مسار العمل المستقبلي:
لتطبيق هذه المفاهيم، يحتاج القطاع إلى تحديث اللوائح الاستثمارية، وإنشاء وحدات مختصة بالتطوير والاستدامة داخل المكتبات الكبرى، مع بناء مؤشرات قياس واضحة تضمن التوازن بين الدور المجتمعي غير الهادف.