د. خالد بن سالم الحربي
في ذلك الممر البعيد، حيث لا يصل الضوء، ونوافذ الزمن تبدو موصدة، كان مكتبه.
جدران باهتة، وأثاث يشبه الوداع. لكنه كان هناك. يخبئ في عينيه ألف حكاية.
وقفت عند بابه. رأيته يحدق في نافذة صغيرة، كأنه يقرأ فيها شيئاً من الماضي. كان هادئاً وكأن السكون أصبح رداءه.
سلمت عليه، فرد بصوت خافت، نظر إلي وكأنه يحاول تذكر آخر مرة زاره فيها أحد.
رفعت عيني إلى الحائط، ساعة قديمة، عقاربها جامدة. والوقت لا معنى له.
قلت: الساعة توقفت.
تنهد تنهيدةً كأنها تخرج من أعماق السنين، وقال: نعم، توقفت يوم نقلت إلى هنا، وكأنها تقول: هنا، الزمن لا يمضي. كل شيء توقف.
تذكرت من يكون هذا الرجل. تذكرت صوره التي رآها الجميع ذات يوم: شاب يافع، ينزل من الطائرة قادماً من بلاد الابتعاث، وفي عينيه بريق الأمل. كان طالباً متفوقاً، ثم موظفاً مخلصاً. ترقى حتى صار في منصب لا يصل إليه إلا من حفر الصخر بأظافره.
لكن الحياة لا تسير دائماً وفق رغباتنا.
جاء مدير جديد. رجل ليس له من الحكمة نصيب، ولا من الرؤية بصيص. استقالت الكفاءات من حوله، الواحد تلو الآخر، كمن يهرب من سفينة تغرق.
أما بطل قصتنا، فكان مصيره أغرب. لم يخطئ. لم يقصر. فقط لم يعجب ذلك المدير. كان نزيهاً، لم يطب له أن ينحني للظل.
لماذا أنت هنا؟ سألته. بكل هذا العطاء؟
نظر إلي، وقال: ربما لأن المدير الجديد لم يكن يرى. والضرير إذا سألته عن الشمس، قال: إنها لا وجود لها.
نظرت إلى ساعته الميتة. كم من العمر توقف هنا؟ كم من فكرة تضيء المؤسسة، ماتت على هذا المكتب المهمل؟
خرجت وأمام عيني صور أولئك الذين رحلوا، وصور من بقوا مثله، يذبلون في صمت. كل ذلك لأن شخصاً واحداً وضع في غير مكانه.
مشيت في الممر، وأنا أحدث نفسي: ترى، هل يعلم ذلك القائد أن القائد ليس من يجلس على كرسي مرتفع، بل من يرتفع بمن حوله؟ هل يدرك أنه لم يكن قائداً، بل مجرد ظل مؤقت؟ ظن أن التهميش والتنمر أدوات للإدارة، فإذا به يخسر أغلى ما تملكه الجهة: العقول التي كانت تبني صرحاً عظيماً، والنفوس التي كانت تحلم لهذا المكان بالخير. وبقي هو وكرسيه يتخبطان في فراغ لا يسكنه أحد.
قبل أن أغادر المبنى، التفتُ نحو ذلك المكتب البعيد، حيث يجلس بطل قصتنا خلف مكتبه الصغير. تمنيت لو أني أستطيع العودة لأقول له:
يا صاحبي، أنت لست أقل مما كنت. منصبك تغير، لكن قيمتك لم تنقص. ساعتك توقفت، لكن عمرك لم يتوقف. لا تدع جداراً باهتاً يحدد حجم حلمك، ولا مكتباً صغيراً يخنق إبداعك. الضرير لا يرى الشمس، لكن الشمس تشرق كل يوم لمن يستحقها. يوماً ما، سيعود الضوء إلى الممرات البعيدة، وستُصلح تلك الساعة، أو ستعلق ساعة جديدة في مكان أجمل. وستعرف أن ما بنيته في نفسك لا يهدمه أحد، حتى لو هدموا مكتبك وأغلقوا الأبواب. فالعطاء الحقيقي لا يُقرأ في الملفات، بل يبقى في القلوب التي لمستها، والعقول التي نورتها، والمؤسسة التي حملتها يوماً على كتفيك. وحين يأتي يوم الحصاد، سيعلم الجميع: من كان يعمل ومن كان فقط يراقب الساعة.
خرجت والمساء قد أوشك أن يغطي المدينة بظلامه. رفعت رأسي إلى السماء، فرأيت نجماً يتألق في الأفق، وكأنه يقول: مهما طال الظلام، فسيبقى في الكون ضوء.
تذكرت ساعته وقلت في نفسي: لعل تلك الساعة لم تتوقف عبثاً. لعلها أرادت أن تقول أن بعض الوقت يجب أن نقف عنده لنسأل أنفسنا بصدق: لمن نهدي أيامنا؟ ومن يستحق حقاً أن نمنحه أعمارنا؟
فكم من ساعة تدور ونحن نائمون، وكم من ساعة تتوقف ونحن يقظون. المهم ليس عقارب الساعة، بل القلب الذي يبقى نابضاً بالحياة، حتى في أضيق المكاتب، وأبعد الممرات عن الضوء.